طهران ، ايران – انتهت رسميا اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي بين إيران وتركيا، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2001، في نهاية شهر يوليو بعد مرور 25 عاما على توقيعها، وذلك دون أي إعلان رسمي من سلطات البلدين بشأن تمديدها أو إنهاءها أو توقيع اتفاقية جديدة. وكانت هذه الاتفاقية تمثل إحدى أهم ركائز التعاون الاقتصادي الثنائي، حيث كانت تنقل سنويا ما بين 9 إلى 10 مليارات متر مكعب من الغاز الإيراني إلى تركيا عبر خط أنابيب استراتيجي
وقد دفع هذا الصمت المطبق من قبل المسؤولين في طهران وأنقرة وسائل الإعلام والصحفيين وخبراء الطاقة في كلا البلدين إلى طرح سيناريوهات مختلفة حول مستقبل العلاقات الغازية. وأشارت الصحفية التركية أوزليم غورسيس إلى أن توقيت انتهاء العقد يتزامن مع تحولات جيوسياسية حساسة في الشرق الأوسط، موضحة أن تفعيل بند التمديد التلقائي لخرس سنوات يظل غامضا، حيث يعد استمرار تدفق الغاز المؤشر الوحيد على التمديد، بينما يعني توقفه انتهاء العمل بالاتفاقية بالكامل.
مكانة الغاز الإيراني في محفظة الطاقة التركية وسياسات التنوع
وفقا لإحصاءات هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية (EPDK)، استوردت تركيا نحو 58.4 مليار متر مكعب من الغاز في عام 2025. وتعد روسيا المورد الأكبر بنسبة تتجاوز 36%، تليها أذربيجان في المرتبة الثانية، ثم الولايات المتحدة ثالثة عبر واردات الغاز الطبيعي المسال، بينما تحتل إيران المرتبة الرابعة بتزويد تركيا بنحو 13% من وارداتها عبر صادرات تتراوح بين 7.7 و7.8 مليار متر مكعب.
ورغم انخفاض حصة إيران مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن البنية التحتية لخطوط النقل في شرق تركيا لا تزال مصممة خصيصا لاستيعاب الغاز الإيراني.
وفي السياق ذاته، يوضح موقع “إيكونوميم” أن إنهاء العقد يرتبط ارتباطا وثيقا بسياسات تركيا الجديدة لتنويع مصادر الطاقة وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال وتوسيع الإنتاج المحلي من حقل “سكاريا” في البحر الأسود لتقليل الاعتماد على طهران. ومع ذلك، تؤكد التقارير أن تقليل الاعتماد لا يعني الاستغناء التام، لا سيما في ظل التحديات المالية المرتبطة بالعقوبات الأمريكية على إيران، والتي جعلت البنوك التركية أكثر حذرا في عمليات الدفع، مما ينذر بأن أي اتفاق قادم سيكون أقصر أجلا وأكثر مرونة.
تباين التحليلات الإعلامية والاقتصادية في تركيا وإيران
أثار انتهاء العقد جدلا واسعا؛ إذ يحذر الصحفي علي تاراكجي من أن أي اضطراب في إمدادات الغاز الإيراني قد يؤدي إلى سلسلة من المشاكل الاقتصادية، تشمل انقطاع التيار الكهربائي وتوقف المناطق الصناعية وارتفاع تكاليف الإنتاج، فضلا عن تفاقم الأزمات بسبب التوتر الروسي الأوكراني. وفي المقابل، يرى الخبير الاقتصادي إينيس أوزكان أن تركيا أصبحت أقل اعتمادا بفضل الغاز المسال القطري والأمريكي، مع الاعتراف بأن أزمات مضيق هرمز قد ترفع الأسعار بشكل مؤقت. من جهته، ذهب الصحفي يلماز أوزديل إلى أن توقيع تركيا عقود غاز طويلة الأجل مع أمريكا حتى عام 2045 يعكس إدراك مسبق لاحتمال تعطل الصادرات الإيرانية بسبب النزاعات الإقليمية.
أما من الجانب الإيراني، فتقدم وكالة أنباء مهر والخبير مهدي سهرابي رؤية مختلفة تؤكد أن تركيا لا تزال تحتاج إلى واردات ضخمة، وأن أذربيجان وروسيا والغاز المسال لا يمكنهم استبدال الغاز الإيراني بالكامل على المدى القريب من حيث السعر والاستدامة. وتدعو هذه التحليلات طهران لاغتنام الفرصة عبر طرح حزمة جديدة تتضمن خصومات متدرجة وتعاونا في تخزين الغاز لتعزيز مكانتها في السوق التركية، تاركة مستقبل أمن الطاقة الإقليمي رهنا بمآلات الصمت الرسمي والمفاوضات المرتقبة.


