باريس ، فرنسا – في إنجاز علمي غير مسبوق، كشف تلسكوب الفضاء “إقليدس” التابع لوكالة الفضاء الأوروبية عن الصورة الأكثر تفصيلاً ودقة للمنطقة المركزية الكثيفة في مجرتنا “درب التبانة“.
التقط التلسكوب في غضون 24 ساعة فقط بيانات لما يزيد عن 60 مليون نجم، إلى جانب سدم وعناقيد نجمية. وقد أنشأ بذلك فسيفساء بصرية تُعد الأوسع والأكثر وضوحاً في الإشعاع المرئي للمجرة حتى الآن.
إمكانات استثنائية تتجاوز الأهداف
على الرغم من أن المهمة الأساسية لتلسكوب “إقليدس” هي سبر أغوار المادة المظلمة والطاقة المظلمة في الكون، إلا أن العلماء قرروا توجيه عدساته الفريدة نحو قلب المجرة.
وتكمن قوة “إقليدس” في قدرته على رسم خرائط لمساحات شاسعة من السماء بدقة فائقة. يمكنه تغطية مجال رؤية أكبر بـ 270 مرة مقارنة بتلسكوب “هابل” في غضون ساعات قليلة. علاوة على ذلك، يحافظ على حدة تصوير مماثلة.
تُظهر صور التلسكوب تفاصيل مذهلة؛ إذ يمثل جزء صغير جداً (0.003%) من مساحة المسح آلاف النجوم. بالتالي، يعطي هذا الأمر تصوراً عن الكثافة الهائلة لـ “انتفاخ المجرة”، تلك المنطقة الكروية التي تحتوي على نحو عشرة مليارات نجم.
“العدسة الصغرية”: نافذة لاكتشاف عوالم جديدة
تُعد هذه المنطقة المركزية “المكتظة” مختبراً طبيعياً مثالياً لدراسة ظاهرة “العدسة الجاذبية الصغرية”. في هذه الظاهرة، يعمل نجم يمر أمام آخر كعدسة مكبرة بسبب جاذبيته. هذه الظاهرة هي المفتاح الذهبي لاكتشاف كواكب خارج المجموعة الشمسية. فعلاوة على ذلك، هي كواكب كانت ستبقى غير مرئية لولا انحناء الضوء الناتج عن هذه الأجرام.
يوضح الباحث جان فيليب بوليو، من معهد الفيزياء الفلكية في باريس: “في العشرين عاماً الماضية، اكتُشف حوالي 300 كوكب بهذه الطريقة من تلسكوبات أرضية، وصورة إقليدس وحدها تضم 51 نظاماً كوكبياً معروفاً، مع وعود باكتشاف المزيد”.
أرشيف زمني للكون
لا تقتصر أهمية هذه الصورة على كونها مشهداً بصرياً ساحراً، بل تعتبر “مرجعاً زمنياً” للعلماء. فمن خلال تخزين هذه البيانات، يمكن لعلماء الفلك مستقبلاً، عند رصد ظواهر فلكية أو أحداث عدسات جاذبية صغرية عبر تلسكوبات أخرى مثل “تلسكوب رومان الفضائي” المرتقب، مقارنة الحالة الراهنة للنجوم بصورة “إقليدس”. هكذا، تكون هذه الصورة مرجعاً للماضي.
تشير فاليريا بيترينو، مديرة البرنامج العلمي في وكالة الفضاء الأوروبية، إلى أن هذه البيانات ستسمح بدراسة الكواكب الخارجية، الأقزام البنية، والنجوم الثنائية بدقة لم نعهدها من قبل. لقد نجح “إقليدس” في تحويل نظره من أعماق الكون السحيق إلى موطننا. لذلك، أثبت أن مجرتنا ما زالت تخفي بين طياتها عشرات الملايين من النجوم التي تنتظر من يروي قصتها العلمية.


