عدن ، اليمن ـ تطورت العلاقة بين إيران وجماعة الحوثيين في اليمن على مدى أكثر من عقد، من اتصالات ودعم محدود إلى شراكة عسكرية مكّنت الجماعة من امتلاك قدرات متقدمة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للسفن. قبل ذلك تحولت اليمن إلى إحدى أبرز الجبهات المرتبطة بالصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وأصبحت قدرات الحوثيين تمثل ورقة عسكرية مهمة بالنسبة إلى طهران، خصوصًا مع موقع الجماعة على الساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر وقربه من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. من جانب آخر تؤكد وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية أن إيران قدمت للحوثيين أسلحة متطورة وتكنولوجيا وتدريبًا. كما أن الدعم الإيراني ساهم في تطوير قدرات الجماعة الصاروخية والبحرية وقدرات الطائرات المسيّرة. أيضًا وثقت الوكالة استخدام الحوثيين لأسلحة ومكونات إيرانية الصنع في هجمات نفذوها داخل اليمن وضد أهداف إقليمية.
من الدعم إلى بناء القدرات
بدأت العلاقة بين طهران والحوثيين في التطور بصورة أكبر قبل سيطرة الجماعة على صنعاء عام 2014. ثم اتسعت مع اندلاع الحرب اليمنية وتدخل التحالف بقيادة السعودية عام 2015. ومع استمرار الحرب، انتقلت قدرات الحوثيين تدريجيًا من الاعتماد بصورة أساسية على الأسلحة التقليدية والقتال البري إلى استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن. نتيجة لذلك أصبحت تلك القدرات مكنتها من تنفيذ هجمات على مسافات بعيدة داخل اليمن وخارجه.
وتشير تقارير أمريكية وأممية إلى وجود صلات بين الأسلحة المستخدمة من جانب الحوثيين ومكونات إيرانية الصنع، كما تحدثت تقارير عن عمليات اعتراض لشحنات أسلحة ومعدات كانت في طريقها إلى اليمن. بالإضافة إلى ذلك تقول وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية إن الولايات المتحدة وشركاءها اعترضوا عددًا من شحنات الأسلحة الإيرانية المتجهة إلى الحوثيين، وشملت مكونات صاروخية وطائرات مسيّرة وأسلحة أخرى.
السعودية.. الجبهة الأولى خارج اليمن
كانت السعودية إحدى أبرز ساحات المواجهة مع الحوثيين خلال سنوات الحرب اليمنية. فقد استخدمت الجماعة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في استهداف مواقع ومنشآت داخل المملكة، ما نقل جزءًا من الصراع إلى الأراضي السعودية. ومع تطور مدى الأسلحة المستخدمة، أصبحت منشآت الطاقة والمطارات والمواقع العسكرية ضمن نطاق التهديد الحوثي. بناء على ذلك دفعت السعودية إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي والتصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة من اليمن. وبالنسبة إلى إيران، وفرت هذه القدرات للحوثيين إمكانية ممارسة ضغط عسكري على السعودية من اتجاه جنوبي، دون أن تكون القوات الإيرانية طرفًا مباشرًا في معظم تلك الهجمات.
التحول إلى البحر الأحمر
شهدت العلاقة بين إيران والحوثيين تحولًا أكثر أهمية بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، عندما أعلنت الجماعة بدء استهداف سفن قالت إنها مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانئ إسرائيلية. وسرعان ما توسعت الهجمات لتشمل سفنًا مرتبطة بالولايات المتحدة ودول أخرى. ونتيجة لذلك أدى إلى اضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر وارتفاع المخاطر التي تواجه السفن التجارية المارة بالمنطقة. وقالت وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية إن الحوثيين استخدموا صواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة وأسلحة أخرى خلال هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. كما أدى استمرار الهجمات إلى دفع شركات شحن دولية إلى تغيير مسارات بعض السفن بعيدًا عن البحر الأحمر، واللجوء إلى طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، ما زاد من زمن الرحلات وتكاليف النقل والتأمين.
إسرائيل تدخل دائرة الاستهداف
لم تقتصر العمليات الحوثية على الملاحة، إذ أعلنت الجماعة أيضًا تنفيذ هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل. وفي يوليو 2024، وصلت طائرة مسيّرة أطلقت من اليمن إلى مدينة تل أبيب، في هجوم أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخرين، وأعلنت إسرائيل لاحقًا أن الطائرة المستخدمة كانت من طراز إيراني الصنع. ومع استمرار التصعيد، أصبحت اليمن إحدى الجبهات البعيدة التي يمكن من خلالها استهداف إسرائيل، إلى جانب جبهات أخرى مرتبطة بإيران في لبنان والعراق وسوريا.
لماذا يمثل اليمن أهمية بالنسبة إلى إيران؟
تكمن أهمية اليمن بالنسبة إلى طهران في عاملين رئيسيين؛ الأول هو موقعه الجغرافي، والثاني هو امتلاك الحوثيين قدرات صاروخية وبحرية تسمح لهم بتهديد أهداف بعيدة. فموقع الجماعة بالقرب من باب المندب يمنحها إمكانية التأثير في أحد الممرات البحرية الرئيسية للتجارة العالمية. في نفس السياق يسمح امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة باستهداف مواقع تقع خارج نطاق ساحة الحرب اليمنية التقليدية. ويختلف هذا الدور عن مضيق هرمز الذي يقع تحت سيطرة إيران الجغرافية المباشرة. لذلك فإن وجود حليف مسلح لطهران بالقرب من باب المندب يوفر لها قدرة إضافية على التأثير في حركة الملاحة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.
الحوثيون والحرب مع إيران
مع تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في عام 2026، أصبحت العمليات الحوثية جزءًا أكثر وضوحًا من المشهد العسكري الإقليمي. وأعلن الحوثيون خلال الفترة الأخيرة تنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية وسعودية، إلى جانب استمرار التهديدات المتعلقة بالملاحة في البحر الأحمر. بالإضافة إلى ما سبق ظهرت تقارير تتحدث عن وجود دعم إيراني إضافي للحوثيين، شمل عناصر ومعدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في ظل الحرب الدائرة حول إيران.
وتنفي طهران في بعض الحالات تقديم دعم عسكري مباشر، بينما تؤكد مصادر أمريكية وإقليمية وجود تعاون عسكري طويل الأمد بين الطرفين. وفي 9 أغسطس/آب 2026، أعلن الحوثيون استهداف تجمعات ومخازن أسلحة قالوا إنها مدعومة من السعودية في منطقة المخا جنوب غربي اليمن، باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة.
وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع إن الهجوم أدى، وفق رواية الجماعة، إلى تدمير واسع للمعدات والأسلحة وسقوط قتلى وجرحى، بينهم سعوديون. ولم يتسن حتى الآن التحقق بصورة مستقلة من حجم الأضرار أو أعداد الضحايا التي أعلنتها الجماعة. بالإضافة إلى ذلك في اليوم نفسه، أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجوم بطائرة مسيّرة على منشأة تابعة لشركة أرامكو في جازان جنوب السعودية، فيما أعلنت السلطات السعودية السيطرة على حريق في المنشأة وعدم وقوع إصابات.
هل يتحرك الحوثيون بأوامر إيرانية مباشرة؟
رغم وجود أدلة أمريكية وأممية على الدعم الإيراني للحوثيين، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع العمليات العسكرية التي تنفذها الجماعة تصدر بأوامر مباشرة من القيادة الإيرانية. بالإضافة إلى ذلك يمتلك الحوثيون قيادة مستقلة وحسابات مرتبطة بالصراع اليمني، كما أن الجماعة اتخذت خلال السنوات الماضية قرارات عسكرية وسياسية وفق تقديراتها الخاصة.
لكن في المقابل، فإن الدعم الإيراني لعب دورًا مهمًا في تطوير القدرات العسكرية التي يمتلكها الحوثيون حاليًا، خصوصًا في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للسفن. ولهذا فإن التوصيف الأدق للعلاقة هو أن الحوثيين يمثلون حليفًا مسلحًا ومدعومًا من إيران، يمتلك قراره العسكري الخاص. مع ذلك فقد استفاد بصورة كبيرة من الدعم والتكنولوجيا والخبرات الإيرانية.
هرمز وباب المندب
تكتسب العلاقة بين إيران والحوثيين أهمية أكبر في ظل التطورات الحالية في مضيق هرمز والبحر الأحمر. فإيران تمتلك موقعًا جغرافيًا مباشرًا على مضيق هرمز، بينما يتمركز الحوثيون في موقع قريب من باب المندب، ما يجعل التصعيد المتزامن في المنطقتين عاملًا مؤثرًا في حركة الملاحة والطاقة العالمية. إلى جانب هذا يشكل المضيقان معًا ممرين رئيسيين لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد فيهما يمكن أن ينعكس على شركات الشحن وأسعار التأمين وسلاسل الإمداد.
من حليف محلي إلى لاعب إقليمي
خلال السنوات الماضية، نجحت جماعة الحوثيين في الانتقال من قوة مسلحة تخوض حربًا داخل اليمن إلى لاعب يمتلك قدرة على التأثير في ملفات تتجاوز الحدود اليمنية. وساعد الدعم الإيراني في هذا التحول، لكن التطور لم يكن نتيجة الدعم الخارجي وحده؛ إذ تمكن الحوثيون أيضًا من بناء قدرات محلية وتطوير أسلحة ومكونات موجودة لديهم واستخدامها في عمليات بعيدة المدى. ونتيجة لذلك أصبحت الجماعة جزءًا من شبكة أوسع من القوى الحليفة لإيران في الشرق الأوسط، مع اختلاف طبيعة العلاقة ودرجة الاعتماد على طهران من جبهة إلى أخرى.
وتكشف التطورات الأخيرة أن أهمية الحوثيين بالنسبة إلى إيران لا ترتبط فقط بقدرتهم على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما أيضًا بموقعهم على البحر الأحمر وقدرتهم على التأثير في باب المندب، في الوقت الذي تخوض فيه إيران نفسها مواجهة مباشرة حول مضيق هرمز. كذلك في ظل استمرار التصعيد، ستظل اليمن والبحر الأحمر إحدى الجبهات الرئيسية التي يمكن أن تؤثر في مسار الحرب الإقليمية، خصوصًا إذا اتسعت العمليات الحوثية لتشمل مزيدًا من الأهداف السعودية أو الإسرائيلية أو السفن التجارية.


