طوكيو ، اليابان – في تحول تاريخي هو الأول من نوعه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تمضي اليابان قدماً في تنفيذ خطة طموحة لإنشاء جهاز استخبارات مركزي. وتعتمد في ذلك على شراكات استراتيجية وثيقة مع حلفائها الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وأستراليا، وألمانيا. وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي طوكيو لتعزيز قدراتها الأمنية ومواجهة التحديات الاستخباراتية المتزايدة.
مشاورات سرية وخبرات دولية
كشف مسؤولون يابانيون لصحيفة “نيويورك تايمز” عن إجراء قادة اليابان مشاورات سرية مكثفة خلال الأشهر الأخيرة مع نظرائهم في الولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا. استهدفت هذه المشاورات الاستفادة من الخبرات الدولية في مجالات التكنولوجيا وآليات التوظيف وتحديد الأولويات الأمنية للجهاز الجديد. وبحسب “أندرو شيرر”، السفير الأسترالي لدى اليابان والمدير العام السابق للاستخبارات الوطنية الأسترالية، فإن المسؤولين اليابانيين يدركون أن قدرات بلادهم الاستخباراتية ظلت “مجمدة لعقود”. لهذا السبب، أصبح هذا الملف أولوية قصوى ضمن أجندة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي.
رؤية تاكايتشي للأمن الياباني
يمثل إنشاء الجهاز الجديد أحد المرتكزات الرئيسية في مساعي تاكايتشي للتخلص من القيود الأمنية التي فرضت على البلاد ما بعد الحرب. وتهدف رئيسة الوزراء إلى حماية أسرار الدولة والتقنيات الحيوية، والتصدي لعمليات النفوذ الأجنبي، خاصة تلك التي تتركز ضد المصالح اليابانية. وتماشياً مع هذه الرؤية، دفعت تاكايتشي نحو أكبر عملية تعزيز للقدرات الدفاعية اليابانية. كما شملت الخطوات إلغاء القيود على صادرات الأسلحة.
ومن المتوقع أن يبدأ الجهاز الجديد عمله بحلول ديسمبر بميزانية تبلغ حوالي 407 ملايين دولار. وسيصبح المحور الرئيسي لعمليات جمع المعلومات وتحليلها. علاوة على ذلك، سيقوم بتنسيق جهود نحو 33 ألف شخص يعملون في مجالات استخباراتية موزعين على مختلف أجهزة الدولة، بما فيها الشرطة ووزارة الدفاع.
جدل داخلي وتحديات تاريخية
تثير هذه الخطوة جدلاً واسعاً في الداخل الياباني؛ حيث يرى معارضون، مثل النائبة ميزوهو فوكوشيما، أن غياب جهاز استخبارات مستقل كان خياراً واعياً يعكس التزام اليابان بكونها “دولة سلمية”. في المقابل، يخشى المنتقدون أن يمهد الجهاز الطريق لقيام مجتمع مراقبة ينتهك الحقوق الفردية.
تاريخياً، عانت منظومة الاستخبارات اليابانية من التشتت والبيروقراطية، مما منحها سمعة “جنة للجواسيس” طوال العقود الماضية. ورغم محاولات رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي في 2013 لتعزيز هذه القدرات عبر إنشاء مجلس الأمن القومي، إلا أن المؤسسات الأمنية ظلت تعمل بمعزل عن بعضها البعض.
اليوم، تسعى تاكايتشي لإزالة هذه الحواجز البيروقراطية، مؤكدة أن الجهاز الجديد ضروري لمواجهة الهجمات السيبرانية وحملات التضليل. وبينما يستعد الجهاز لإجراء اختبارات توظيف كوادر جديدة العام المقبل، يبقى نجاحه مرهوناً بقدرة الحكومة على توظيف التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي. كذلك يجب دمج جهود مختلف الأجهزة تحت قيادة مركزية، لضمان استعادة اليابان لدورها كقوة فاعلة قادرة على حماية مصالحها في بيئة جيوسياسية معقدة.


