لندن – عادت “نظرية الدومينو” الأمريكية إلى واجهة النقاشات السياسية والتاريخية، مع تسليط الضوء على انتقادات حادة نُسبت إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل. فقد أبدى “ثعلب السياسة البريطانية” تحفظات مبكرة تجاه هذه الفكرة التي اتخذتها واشنطن ذريعة لتبرير تدخلاتها الخارجية الواسعة إبان فترة الحرب الباردة، مما يكشف عن تباين عميق في الرؤى الاستراتيجية بين الحليفين التقليديين حول كيفية إدارة الأزمات الدولية.
وتقوم “نظرية الدومينو” (Domino Theory) على افتراض أن سقوط دولة واحدة تحت النفوذ الشيوعي سيؤدي حتماً إلى انهيار الدول المجاورة تباعاً، تماماً كما تتساقط أحجار الدومينو. هذا التصور دفع الولايات المتحدة، لاسيما في عهد الرئيسين أيزنهاور وليندون جونسون، إلى تبني سياسات تدخلية عسكرية وسياسية مكثفة في آسيا وأمريكا اللاتينية، انطلاقاً من مبدأ “الاحتواء” لمنع تمدد المعسكر الشرقي.
واقعية تشرشل في مواجهة التعميم الأيديولوجي
ورغم التحالف الوثيق، تشير مذكرات ودراسات تاريخية حديثة إلى أن تشرشل كان يرفض تبسيط الأزمات الدولية عبر “التعميم”. كان يرى أن كل دولة تمتلك سياقاً تاريخياً وظروفاً داخلية وحسابات وطنية خاصة لا يمكن اختزالها في مجرد “حجر دومينو” يتأثر بغيره تلقائياً. بالنسبة لتشرشل، فإن افتراض أن كل تحول سياسي في دولة ما سيمتد كعدوى إلى جيرانها هو مبالغة قد تورط القوى الكبرى في نزاعات طويلة الأمد ومنهكة للموارد.
ويرى مؤرخون أن تشرشل كان يميل إلى مدرسة “الواقعية السياسية”، مفضلاً التعامل مع كل حالة على حدة وفقاً لميزان القوى والمصالح، بدلاً من الانجرار خلف مخاوف أيديولوجية شاملة. وكان يخشى أن تؤدي هذه الرؤية الأمريكية إلى استنزاف القوة الغربية في حروب “هامشية” بعيدة عن المسارح الاستراتيجية الحقيقية التي تهم الأمن الأوروبي والبريطاني بشكل مباشر.
فيتنام.. الاختبار القاسي لصحة النظرية
استخدمت واشنطن “نظرية الدومينو” بشكل صارخ لتبرير تدخلها في حرب فيتنام، محذرة من أن سقوط “سايغون” يعني سقوط جنوب شرق آسيا بالكامل. إلا أن نتائج الحرب، والتحولات التي تلتها، أثارت شكوكاً عميقة حول مدى دقة النظرية؛ فرغم سقوط فيتنام، لم تشهد المنطقة الانهيار الشامل الذي تنبأت به واشنطن، بل تشكلت توازنات وطنية جديدة أثبتت أن المحرك الوطني يتفوق أحياناً على الانتماء الأيديولوجي العابر للحدود.
وفي الختام، تظل “نظرية الدومينو” رمزاً للسياسات القائمة على التخوف الاستراتيجي والتدخل الاستباقي. ومع عودة التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين، يستعيد نقد تشرشل أهميته؛ حيث يذكر القادة المعاصرين بأن تعقيدات العلاقات الدولية لا تخضع دائماً لقوانين الفيزياء البسيطة، وأن فهم الخصوصية الوطنية لكل دولة يظل مفتاح الاستقرار الدولي بعيداً عن الحروب المكلفة.


