- ثلاثة شركاء.. وثلاثة أنواع مختلفة من القوة
- أول اختبار للاتفاق.. القوة جاءت من باكستان
- باحثة باكستانية: الاتفاق غير متماثل
- وتركيا.. ماذا تريد من قوة عسكرية أصغر؟
- “الخزنة الذهبية”
- محلل أميركي: باكستان لا تستطيع أن تحل محل الضامن الأميركي
- الإمارات وقطر.. ضمان من القوي من دون التزام مماثل
- لماذا تحتاج الرياض إلى المساواة في النص؟
- اتفاق خليجي يقول الشيء نفسه منذ ربع قرن
- المال عندما يتحول إلى قوة عسكرية غير مباشرة
دبي، الإمارات العربية المتحدة – على الورق، تبدو معادلة الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بسيطة ومتكافئة: أي هجوم مسلح على واحدة من الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا. لكن الانتقال من نص الاتفاق إلى ميزان القوة الفعلي يطرح سؤالًا أكثر حساسية: هل تستطيع السعودية بالفعل الدفاع عن باكستان النووية أو تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي بالطريقة التي يمكن أن تدافع بها الدولتان عن المملكة؟
اتفاق مكة الموقع في 7 أغسطس 2026 جاء بعد أقل من عام على توقيع السعودية وباكستان “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك”، التي نصت صراحة على أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يعتبر اعتداءً عليهما معًا. الاتفاق الثلاثي وسع المبدأ نفسه ليشمل تركيا.
لكن التشابه في الالتزام السياسي لا يعني تشابه ما تستطيع الدول الثلاث تقديمه عند وقوع الحرب.
ثلاثة شركاء.. وثلاثة أنواع مختلفة من القوة
باكستان تدخل المعادلة باعتبارها قوة نووية تملك مؤسسة عسكرية ضخمة وخبرة طويلة، فيما تدخل تركيا بجيش يمثل إحدى أكبر القوى العسكرية في الناتو وبصناعة دفاعية متنامية وقدرة عملياتية خارج حدودها. أما السعودية، فرغم إنفاقها العسكري الكبير وتسليحها المتطور، فإن أبرز أوراقها الاستراتيجية في هذه الشراكة توجد في الاقتصاد والطاقة والاستثمار والعقود والمشتريات الدفاعية.
وقال محللون تحدثوا إلى “صوت الإمارات” إن قراءة الاتفاق على أنه تحالف عسكري بين ثلاثة أطراف متساوية في القدرات قد تكون مضللة، لأن قيمة كل طرف بالنسبة إلى الآخرين مختلفة، موضحين أن القوة السعودية الأساسية في هذه المعادلة تكمن في قدرتها على تحويل ثقلها المالي والاقتصادي إلى شبكة مصالح استراتيجية مرتبطة بأمن المملكة.
وبحسب هؤلاء، لا تحتاج الرياض إلى إقناع إسلام آباد بأنها قادرة على الدفاع عن باكستان كما تستطيع باكستان إرسال قوات للدفاع عن المملكة، ولا تحتاج إلى إقناع أنقرة بأن الجيش السعودي يمثل إضافة حاسمة لأمن دولة تحتمي أصلًا بالمادة الخامسة للناتو.
ما تحتاج إليه السعودية هو شيء مختلف: أن يصبح أمنها نفسه جزءًا من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لدول تملك قدرات عسكرية تحتاج إليها المملكة.
أول اختبار للاتفاق.. القوة جاءت من باكستان
الوقائع قدمت بالفعل مؤشرًا على اتجاه الحاجة داخل العلاقة السعودية الباكستانية.
فبعد الهجمات الإيرانية على السعودية في مارس 2026، بحث وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير تلك الهجمات في إطار اتفاقية الدفاع المشترك. وبعد أسابيع أعلنت وزارة الدفاع السعودية وصول قوة عسكرية باكستانية إلى قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية، تضم مقاتلات وطائرات دعم تابعة للقوات الجوية الباكستانية، تنفيذًا للاتفاق.
كان ذلك أول تطبيق عسكري معلن للاتفاق، وجاءت فيه القوة من باكستان إلى السعودية.
وهذه الواقعة لا تعني أن المملكة عاجزة عن تقديم مساعدة عسكرية إلى باكستان، لكنها تكشف بصورة عملية الطرف الذي احتاج في أول اختبار إلى تعزيز عسكري من الطرف الآخر.
باحثة باكستانية: الاتفاق غير متماثل
ترى حليمة سعدية، الباحثة الباكستانية المتخصصة في الدراسات الدفاعية والاستراتيجية، أن اتفاق الرياض وإسلام آباد يتسم أصلًا بعدم التماثل.
وفي تحليل نشرته “شبكة آسيا والمحيط الهادئ للقيادة”، أشارت إلى اعتماد باكستان ماليًا على السعودية، لكنها استبعدت في الوقت نفسه أن تتدخل الرياض عسكريًا بصورة مؤثرة إذا تعرضت باكستان لتصعيد مع الهند، معتبرة أن هذه المفارقة تكشف طبيعة مرنة وغير متكافئة للاتفاق.
وتشير سعدية إلى أن الاتفاق يمنح السعودية الاطمئنان، بينما تحصل باكستان على مكاسب سياسية واقتصادية في ظل هشاشتها الاقتصادية، وتخلص إلى أن الالتزامات السياسية المكتوبة لا تتحول بالضرورة إلى انتشار عسكري عند الأزمات.
وهذا يضع سؤال “الدفاع المشترك” في مكانه الحقيقي.
إذا تعرضت باكستان لحرب وجودية، فهي لا تنتظر من السعودية أن تكون القوة التي تنقذ دولة نووية في مواجهة خصم كبير. لكن السعودية تستطيع أن تقدم لإسلام آباد ما يملك قيمة استراتيجية من نوع آخر: الاستثمار والتمويل والطاقة والعقود والدعم الاقتصادي والسياسي.
وتركيا.. ماذا تريد من قوة عسكرية أصغر؟
الحالة التركية تجعل عدم التكافؤ أكثر وضوحًا.
فتركيا لا تدخل اتفاق مكة بحثًا عن جيش يحمي أراضيها. هي عضو في الناتو، ولديها قوة عسكرية كبيرة وقاعدة صناعات دفاعية متطورة.
ريتش أوتزن، الباحث في برنامج تركيا لدى “المجلس الأطلسي”، قرأ الاتفاق من زاوية أوسع من الدفاع المباشر، مشيرًا إلى أن دخول السعودية يضيف موارد اقتصادية ضخمة إلى المنظومة، وأن الصناعات الدفاعية التركية ستستفيد من فرص تجارية أوسع، فيما تعزز الشراكات الدفاعية في الوقت نفسه شبكات التجارة والطاقة والأعمال.
أي أن ما تريده تركيا من السعودية ليس بالضرورة جنديًا سعوديًا للدفاع عن أنقرة.
السعودية بالنسبة إلى تركيا سوق كبيرة للصناعات الدفاعية، ومصدر استثمار ورأس مال وطاقة، وشريك اقتصادي وسياسي مؤثر في الخليج والعالم العربي.
“الخزنة الذهبية”
وهنا تظهر الصورة التي وصفها محللون تحدثوا إلى “صوت الإمارات” بأنها أقرب إلى علاقة بين “خزنة ذهبية” ودرع عسكري.
لا توجد وثيقة معلنة تقول إن السعودية دفعت مقابل حصولها على الحماية، ولا يمكن اختزال العلاقات بين الدول الثلاث في معادلة “المال مقابل الجنود”.
لكن توزيع عناصر القوة يصعب تجاهله.
باكستان تدخل بقوة عسكرية وبردع نووي.
تركيا تدخل بجيش كبير وصناعة دفاعية وخبرة عملياتية.
والسعودية تدخل بأحد أكبر الاقتصادات في المنطقة، ورأس المال، والاستثمارات، والطاقة، وعقود التسليح، وسوق قادرة على خلق مصالح اقتصادية طويلة الأجل لشريكيها.
وبحسب محللين تحدثوا إلى “صوت الإمارات”، فإن أهمية المال السعودي هنا لا تكمن في شراء الحماية بطريقة مباشرة، وإنما في قدرته على جعل استقرار المملكة وأمنها جزءًا من شبكة مصالح أوسع لتركيا وباكستان.
وبهذه القراءة، تتحول الخزنة السعودية نفسها إلى أداة ردع.
محلل أميركي: باكستان لا تستطيع أن تحل محل الضامن الأميركي
لكن حتى الدرع الباكستاني له حدوده.
أستاذ العلاقات الدولية والخبير في شؤون الخليج غريغوري غاوس يرى أن اتفاق الرياض وإسلام آباد حمل أيضًا رسالة سعودية إلى الولايات المتحدة مفادها أن المملكة تستطيع البحث عن مزودين أمنيين آخرين.
لكنه وصف جزءًا من هذه الرسالة بأنه مناورة، موضحًا أن الدعم الباكستاني لا يستطيع أن يحل محل التسليح الأميركي والتعاون الأمني والوجود العسكري الأميركي في المنطقة. كما استبعد أن تخاطر باكستان باستخدام سلاحها النووي لحماية السعودية، لأن الردع النووي الباكستاني موجه أساسًا إلى الهند.
وهذا يعني أن السعودية لا تبني مظلة بديلة كاملة بقدر ما تجمع طبقات متعددة من الحماية والردع.
الإمارات وقطر.. ضمان من القوي من دون التزام مماثل
المقارنة مع دول الخليج الأخرى تكشف خصوصية الخيار السعودي.
الإمارات لديها اتفاق دفاعي بالغ القوة مع فرنسا. فرنسا تتعهد فيه بالمشاركة في الدفاع عن أمن الإمارات وسيادتها وسلامة أراضيها واستقلالها، وبنشر وسائل متفق عليها لردع أي دولة تهددها. لكن النص المنشور لا يقلب المعادلة ليقول إن الاعتداء على فرنسا هو تلقائيًا اعتداء على الإمارات.
فرنسا هي القوة التي تقدم الضمان العسكري للإمارات.
وقطر حصلت في سبتمبر 2025 على ضمان أميركي واضح، إذ أعلنت واشنطن أن أي هجوم مسلح على أراضي قطر أو سيادتها أو بنيتها التحتية الحيوية سيُعتبر تهديدًا للسلم والأمن الأميركيين، مع التعهد باتخاذ إجراءات قد تشمل الوسائل العسكرية عند الضرورة. ولا يتضمن القرار تعهدًا معاكسًا يجعل قطر ملزمة باعتبار الهجوم على الولايات المتحدة هجومًا عليها.
في الحالتين تظهر العلاقة كما هي: قوة عسكرية كبرى تقدم مظلة لدولة خليجية.
السعودية اختارت لغة مختلفة.
هي لا تريد اتفاقًا يقول إن تركيا وباكستان ستدافعان عنها فحسب؛ الصيغة تضعها على قدم المساواة معهما، وتقول إنها ستدافع عنهما أيضًا.
لماذا تحتاج الرياض إلى المساواة في النص؟
يرى مراقبون أن أحد تفسيرات هذه الصياغة يتعلق بالصورة السياسية للمملكة وموقعها الإقليمي.
السعودية تريد تقديم نفسها بوصفها قوة تقود تحالفات وليست دولة تبحث عن حامٍ، لذلك تمنح عبارة “الدفاع المشترك” الرياض مكانة الشريك الذي يقدم ضمانًا للآخرين أيضًا.
لكن الصورة السياسية شيء والقدرة العسكرية الفعلية شيء آخر.
فعندما تصبح الحرب حقيقية، لن تُقاس مساهمة كل طرف بالجملة المكتوبة في الاتفاق، وإنما بما يستطيع إرساله إلى أرض المعركة.
وهنا يصعب تصور أن تصبح القوة السعودية هي خط الدفاع الأخير لباكستان النووية أو لتركيا الأطلسية، بينما يسهل أكثر تصور السيناريو المعاكس إذا احتاجت المملكة إلى قوات أو طائرات أو دفاعات أو خبرات عسكرية إضافية.
اتفاق خليجي يقول الشيء نفسه منذ ربع قرن
والمفارقة الأكبر أن السعودية تملك أصلًا بندًا للدفاع الجماعي قبل تركيا وباكستان.
فدول مجلس التعاون تؤكد في اتفاقية الدفاع المشترك أن أمنها غير قابل للتجزئة وأن الاعتداء على دولة منها اعتداء على جميع الدول الأعضاء، وهو مبدأ أعاد المجلس تأكيده رسميًا خلال 2026.
لكن التجربة العملية كشفت فارقًا بين إعلان المبدأ وبين الذهاب إلى حرب جماعية فور تعرض دولة عضو لهجوم.
بعد الهجوم الإسرائيلي على قطر في سبتمبر 2025، أعلن مجلس الدفاع المشترك أن الهجوم على قطر هو هجوم على جميع دول الخليج، لكن الإجراءات المعلنة تمثلت في زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية، وربط صورة الموقف الجوي، وتسريع الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية، وتحديث خطط الدفاع وإجراء تدريبات مشتركة.
وهذه الواقعة وحدها تشرح جانبًا من بحث السعودية عن طبقات إضافية من الردع.
فالرياض لا تحتاج إلى نص جديد يخبرها بأن الهجوم عليها هجوم على حلفائها؛ لديها هذا النص منذ سنوات داخل مجلس التعاون.
ما تحتاج إليه هو أن تكون خلف النص قوة لديها مصلحة وقدرة على التحرك عندما تقع الحرب.
المال عندما يتحول إلى قوة عسكرية غير مباشرة
بحسب قراءة محللين ومراقبين، هنا تكمن القيمة الأساسية للسعودية في التحالف الجديد.
الدول لا تحتاج دائمًا إلى تقديم الشيء نفسه حتى تكون هناك مصلحة متبادلة.
تركيا وباكستان تملكان قدرات عسكرية تحتاج إليها السعودية.
والسعودية تملك قدرة مالية واقتصادية تحتاج إليها الدولتان.
ومن هنا لا تبدو عبارة “الدفاع المشترك” توصيفًا لتبادل القوة العسكرية نفسها، بقدر ما تبدو إطارًا سياسيًا لتبادل أنواع مختلفة من القوة.
أليسون ماينور، مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط لدى “المجلس الأطلسي”، ترى أن الرياض تحاول عبر شبكة متنامية من الشراكات تقليل الاعتماد على شريك أو كتلة واحدة، لكنها تحذر أيضًا من المبالغة في تصور ما ستقدمه تركيا وباكستان، إذ تعتبر أن الدعم العسكري منهما سيظل مرتبطًا بالسياق، وأن الاتفاقات السعودية السابقة لم تنتج عمليًا حتى الآن استجابة تشبه المادة الخامسة في الناتو.
وهذه ربما هي الخلاصة الأكثر واقعية للاتفاق.
السعودية تستطيع أن تشتري الطائرات والصواريخ ومنظومات الدفاع.
لكن شراء السلاح لا يشتري في اليوم نفسه عقودًا من الخبرة العسكرية، ولا جيشًا نوويًا، ولا قوة بشرية جاهزة للانتشار.
ولهذا ربما وجدت الرياض الطريق الأسرع: ربط أصحاب تلك القدرات بشبكة من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية تجعل الدفاع عن استقرار السعودية جزءًا من مصالحهم هم أيضًا.
وفي هذه المعادلة، لا تبدو “الخزنة الذهبية” طرفًا هامشيًا.
هي الثمن الاستراتيجي الذي يجعل التحالف ممكنًا.
تركيا وباكستان تضعان وزنًا عسكريًا أكبر على الطاولة.
والسعودية تضع ما يجعل هذا الوزن قابلًا للارتباط بها: المال والاستثمار والطاقة والعقود والسوق والنفوذ الاقتصادي.
ويبقى الاختبار الحقيقي للاتفاق خارج قاعات التوقيع: عندما يصبح “الاعتداء على دولة اعتداء على الجميع”، هل سيدفع الجميع الثمن نفسه.. أم أن السعودية ستدفع بمالها، فيما يدفع الآخرون بقوتهم العسكرية؟


