واشنطن ، الولايات المتحدة – أثار نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كاين، مخاوف جدية إزاء خطط تصعيد الحرب ضد إيران، وذلك خلال اجتماع حاسم عُقد مع الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض. يأتي هذا التطور بعد 13 ليلة متواصلة من الضربات الجوية المكثفة ضد الأراضي الإيرانية، وهو ما أدى في النهاية إلى إرجاء خطط توسيع الهجمات وإيقاف العمليات القتالية الواسعة بشكل مؤقت.
ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” وشبكة “CNN” عن مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، شريطة عدم كشف هوياتهم، أن فانس وكاين قدَّما تقييمات دقيقة لترامب حول تداعيات مواصلة الحملة العسكرية. ورغم تأكيد الجنرال كاين قدرة الجيش الأمريكي على تنفيذ كافة الخيارات المتاحة وتحقيق أهدافها الميدانية، فإنه حذر بوضوح من التداعيات الاستراتيجية الكبيرة والمخاطر المترتبة على ذلك.
استنزاف الذخائر وتراجع المخزون الاستراتيجي
تركزت المداولات المغلقة بشكل مكثف على تقلص مخزون وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي الأخرى. وأشار مسؤولون مطلعون إلى أن المخاوف المتعلقة بمستوى صواريخ الاعتراض كانت أحد أبرز الاعتبارات التي جعلت العودة إلى العمليات القتالية الواسعة خياراً محفوفاً بمخاطر جسيمة على أمن القوات الأمريكية في المنطقة.
وأوضح مسؤول أمريكي رفيع أن الهجوم الذي أودى بحياة ثلاثة جنود أمريكيين في الأردن قبل أسابيع، وقع بعد أن تمكن صاروخ باليستي إيراني من اختراق الدفاعات الجوية الأمريكية التي كانت متأهبة للتصدي لوابل ضخم من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي السياق ذاته، حذر الجنرال كاين من أن استمرار العمليات الكبرى سيؤدي إلى استنزاف خطير وسريع لمخزون الصواريخ الاعتراضية التابعة للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
ووفقاً لتقديرات داخلية لـ”البنتاجون” ومصادر في الكونجرس، كانت “نيويورك تايمز” قد أشارت في تقارير سابقة إلى أن الجيش الأمريكي استخدم أكثر من 1200 صاروخ “باتريوت” منذ اندلاع الحرب، حيث يتجاوز سعر الصاروخ الواحد 4 ملايين دولار، مما دفع المخزون إلى مستويات حرجة تفاقمت حدتها مع استمرار النيران الإيرانية الكثيفة ضد القواعد الأمريكية طوال الأسبوعين الماضيين.
معضلة ترامب السياسية والدبلوماسية
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معضلة معقدة حول كيفية إدارة مسار الحرب التي دخلت شهرها الخامس تقريباً، لا سيما في ظل أزمة إعادة فتح مضيق هرمز وارتفاع أسعار الغاز محلياً وعالمياً بالتزامن مع استئناف الأعمال القتالية مؤخراً. وفي المقابل، انهارت الجهود الدبلوماسية بشكل ملحوظ، في وقت يرى فيه العديد من المحللين والمسؤولين أن أحدث موجات القصف لم تنجح في تحقيق الردع العسكري المطلوب ضد طهران.
من جهته، أكد مدير الاتصالات بالبيت الأبيض، ستيفن تشونج، أن ترامب ظل ثابتاً في تفضيله للحلول الدبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته يحتفظ بكافة الخيارات العسكرية المتاحة في حال واصلت إيران ما وصفه بـ”الأنشطة الإرهابية” في مضيق هرمز أو ضد الحلفاء الإقليميين. وأضاف تشونج أنه بعد تحمل إيران وطأة العقوبات القاسية والضربات المتكررة، سيكون من الحكمة أن تتجه نحو طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق تفاوضي شامل، وإلا فإنها ستتحمل تبعات تصرفاتها.
تباين الآراء داخل الإدارة الأمريكية
أبدى ترامب وكبار مساعديه قلقاً متزايداً من احتمال اتساع رقعة الصراع لتشمل الشرق الأوسط بأسره، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية العالمية المحتملة. وأعرب مسؤول أمريكي رفيع عن شكوكه حيال جدوى استئناف الحملات الجوية الكبرى، مؤكداً أن الضربات السابقة أعطت نتائج عكسية تمثلت في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية ومنح قيادتها فرصة ذهبية لتوحيد الصفوف في مواجهة التهديد الخارجي المباشر.
وقبل اجتماع الجمعة المصيري، كان ترامب قد صرح للصحافيين بأن القوات الأمريكية على أهبة الاستعداد لتنفيذ هجمات أشد قسوة إذا لزم الأمر، مشدداً في الوقت عينه على إبقاء الباب مراوساً أمام المسار الدبلوماسي. وقال في تصريحاته: “نحن مستعدون للتحرك، لكننا نتفاوض معهم، لذا ربما تكون هناك نقطة تحول وربما لا”.
وقبيل إرجاء الخطط، كان قادة “البنتاجون” يدرسون مراحل متعددة لحملة قصف استباقية تشمل الرادارات الساحلية، ومنصات إطلاق الصواريخ المضادة للسفن، وأسطول الزوارق الهجومية، إلى جانب منشآت الطاقة والمواقع النووية الحساسة مثل منشأة “جبل الفأس”، فضلًا عن تعزيز الإمدادات العسكرية وإلحاق أضرار بالبنية التحتية والجسور التي يستخدمها الجيش الإيراني لنقل الإمدادات نحو الساحل الجنوبي.
الرهان البديل على الضغوط الاقتصادية
في أعقاب تقييمات القادة العسكريين، برز مسار بديل يدعمه عدد من مستشاري الرئيس، وفي مقدمتهم صهره جاريد كوشنر، يقوم على خفض المخاطر العسكرية والتركيز على إطالة أمد الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية. وعلى صعيد الحصار البحري الذي فرضته واشنطن مؤخراً على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، أشارت التقارير إلى تحقيقه نتائج متباينة؛ إذ نجحت طهران في استئناف بعض شحنات النفط نحو الأسواق الآسيوية، وتحديداً الصين، عقب توقيع مذكرة تفاهم سابقة، وهو ما يعني أن استعادة الفاعلية القصوى للضغط الاقتصادي ستتطلب وقتاً أطول واختبارات جديدة لمسار الأزمة المستمرة.


