لندن، المملكة المتحدة – لطالما شكلت المضائق البحرية نقاطًا استراتيجية في الصراعات الدولية، إذ أدت السيطرة عليها أو إغلاقها إلى تغيير مسارات الحروب وإعادة رسم موازين القوى بين الدول. ومع تصاعد التوترات في منطقة الخليج وتجدد الحديث عن مضيق هرمز، عاد الاهتمام بتاريخ المضائق ودورها في التأثير على الاقتصاد العالمي والعمليات العسكرية.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعله نقطة محورية للتجارة الدولية وأمن الطاقة. ولذلك، فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس سريعًا على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية.
أدوار حاسمة في النزاعات الكبرى
وعلى مدار التاريخ، لعبت المضائق البحرية أدوارًا حاسمة في النزاعات الكبرى. فقد كان مضيق الدردنيل محورًا رئيسيًا خلال الحرب العالمية الأولى، عندما حاولت قوات الحلفاء اختراقه للوصول إلى العاصمة العثمانية إسطنبول، إلا أن الحملة انتهت بفشل كبير في معركة جاليبولي، ما غيّر مجريات الحرب على تلك الجبهة.
كما كان مضيق جبل طارق هدفًا استراتيجيًا خلال الحرب العالمية الثانية، حيث سعت القوى المتحاربة إلى ضمان السيطرة على المدخل الغربي للبحر المتوسط، حفاظًا على خطوط الإمداد العسكرية والتجارية بين أوروبا وأفريقيا.
وفي الشرق الأوسط، برز مضيق تيران كأحد أبرز أسباب التوتر بين مصر وإسرائيل قبل حرب يونيو 1967، بعدما أدى إغلاقه أمام الملاحة الإسرائيلية إلى تصعيد الأزمة التي انتهت باندلاع الحرب، في مثال واضح على تأثير الممرات البحرية في القرارات العسكرية والسياسية.

أدوات ضغط جيوسياسي
أما قناة السويس، فرغم أنها ليست مضيقًا طبيعيًا، فقد أثبتت مرارًا أهميتها الاستراتيجية، سواء خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أو في فترات الإغلاق التي أثرت على حركة التجارة العالمية وأجبرت السفن على سلوك طرق بحرية أطول وأكثر تكلفة.
ويرى خبراء في الشؤون الاستراتيجية أن المضائق البحرية لم تعد مجرد ممرات للنقل، بل أصبحت أدوات ضغط جيوسياسي تستخدمها الدول لتعزيز نفوذها أو حماية مصالحها، خصوصًا في ظل الاعتماد العالمي المتزايد على التجارة البحرية، التي تنقل النسبة الأكبر من السلع والطاقة بين القارات.
ويؤكد محللون أن أي اضطراب في الملاحة عبر المضائق الحيوية لا يقتصر تأثيره على أطراف النزاع، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، من خلال ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتقلب أسعار الطاقة، وتعطل سلاسل الإمداد، وهو ما يجعل أمن هذه الممرات البحرية قضية دولية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها.


