خاص، صوت الإمارات – في تصريح تحليلي خاص لموقع “صوت الإمارات”، أكد الباحث والمحلل السياسي طارق أبوزينب أن الجمهورية الإيرانية لم تعد تواجه تحدياتها الكلاسيكية فحسب، كالعقوبات الاقتصادية أو الضغوط الجيوسياسية الغربية. بل دخلت منعطفاً وجودياً أخطر يتمثل في صراع “بنيوي” عميق يضرب أركان الدولة من الداخل.
وأوضح أبوزينب أن السؤال الذي يتردد اليوم في أروقة طهران لم يعد “كيف نصمد أمام الخارج؟”. بل تحول السؤال إلى “من يملك الحق في تقرير مصير إيران بعد خامنئي؟”.
“مفارقة التوريث”: سقوط شرعية الثورة
ويرى الباحث طارق أبوزينب أن ملف التوريث السياسي، الذي تصاعدت وتيرته مع بروز اسم مجتبى خامنئي خلفاً لوالده، يمثل “الصدع الكبير” في جسد النظام. ويقول في تصريحه: “إن النظام الذي تأسس عام 1979 على أنقاض العرش الملكي، والذي استمد شرعيته لأربعة عقود من شعارات إسقاط التوريث ورفض الاستبداد، يجد نفسه اليوم متورطاً في مفارقة تاريخية هي الأكثر قسوة؛ إذ يتحول فعلياً إلى نظام توريثي بامتياز.
وهذا التحول ليس مجرد إجراء دستوري، بل هو اعتراف ضمني بانهيار الشعارات الثورية. كما يمثل بدء مرحلة “الملكية الجمهورية” التي لا تستند إلى كفاءة المؤسسات، بل إلى الولاءات العائلية والأمنية الضيقة”.
صراع الأجنحة: عندما ينفجر المكتوم
وحول طبيعة الصراع داخل بنية النظام، يشير الباحث طارق أبوزينب إلى أن الخلافات التي طالما ظلت حبيسة الغرف المغلقة قد خرجت إلى العلن. هذا الأمر يعكس ضعف الضبط المركزي للسلطة.
ويضيف: “نحن نشهد حالة من تآكل التوازنات، فالحرس الثوري الإيراني لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية. بل أصبح دولة داخل الدولة، يسيطر على مفاصل الاقتصاد والسياسة، مما خلق حالة من الغيرة والعداء مع المؤسسات الدينية والبيروقراطية التقليدية.
الصراع اليوم ليس حول توزيع الصلاحيات فحسب، بل هو معركة وجودية حول من يمسك بمفاتيح القرار الاستراتيجي “في لحظة تاريخية فارقة”.
“زلزال” مجلس الخبراء
وتوقف الباحث السياسي عند الحادثة غير المسبوقة المتعلقة ببيان أعضاء مجلس خبراء القيادة، معتبراً إياها “زلزالاً سياسياً”.
ويوضح أبوزينب: “أن يوقع أكثر من 70% من أعضاء المجلس – المؤسسة الأكثر قدسية وحساسية – على بيان يعبر عن تباينات أو قلق، فهذا مؤشر على أن سقف “المقدس” قد انخفض داخل أروقة الحكم.
هذه الخطوة تعني أن الولاء الأعمى لمركز السلطة لم يعد مطلقاً. وتشير أيضاً إلى أن هناك أجنحة داخل النظام بدأت تبحث عن بدائل أو تعيد حساباتها قبل الانفجار الكبير”.
الدولة رهينة لـ”مراكز القوى”
وفي قراءة للوضع المؤسساتي، أكد الباحث طارق أبوزينب أن النظام يعاني من شلل في اتخاذ القرار نتيجة تعدد مراكز النفوذ. ويؤكد: “المجلس الأعلى للأمن القومي، والرئاسة، والقيادات العسكرية، جميعها تعمل ضمن شبكة متضاربة المصالح.
وهذا التعدد ليس ديمقراطياً، بل هو وصفة للفوضى. فعندما تغيب الرؤية الموحدة، يصبح كل ملف إقليمي أو دولي اختباراً جديداً لصراع الأجنحة. هذا الأمر يضع إيران في وضع هش أمام أي تطور طارئ”.
تحذير: التهديد لا يأتي من الحدود
واختتم الباحث طارق أبوزينب تصريحه لموقع “صوت الإمارات” برؤية استشرافية محذرة، قائلاً: “إن تاريخ الأنظمة السياسية يخبرنا أن السقوط لا يأتي دائماً بضربة خارجية، بل يبدأ بـ”تآكل شرعي” من داخل المؤسسات نفسها. إيران اليوم تسير في حقل ألغام؛ فالمعركة التي تخوضها حول “من يجلس على كرسي المرشد ستكلفها ثمن استقرارها الوطني”.
النظام يواجه استحقاقاً لا يمكن الهروب منه: إما التكيف مع متطلبات الدولة الحديثة، أو الغرق في صراعات التوريث التي قد تفتت الدولة من الداخل.
في نهاية المطاف، الشرعية ليست توريثاً، بل هي عقد اجتماعي. وهذا العقد يبدو أن النظام الإيراني قد فقد القدرة على تجديده مع شعبه، وحتى مع أركان حكمه”.
إن إيران اليوم، وفقاً لأبوزينب، تعيش لحظة “الحقيقة الكبرى”. في هذا الجو لا تنفع الشعارات، ولا تغطي التهديدات الخارجية على هشاشة البنيان الداخلي الذي بات يتصدع تحت ثقل صراعات الأجنحة وطموحات التوريث.


