فيينا ، النمسا – إثر استجواب برلماني نمساوي قدمه النائب الدكتور ماركوس تشينك إلى وزير الإسكان والفنون والثقافة والإعلام والرياضة النمساوية، حول تمويل وتعاون الحكومة مع منظمة “زارا (ZARA)” وعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين تشهد جدلا واسعا في النمسا.
ويثير استجواب تشينك تساؤلات جوهرية حول آليات التمويل الحكومي النمساوي لمنظمات المجتمع المدني. كما يثير التساؤلات حول صلاتها بكيانات ينظر إليها على أنها مقربة من جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يضع ملف “مكافحة التطرف والإسلام السياسي” في صدارة الأجندة الوطنية النمساوية.
تمويل سخي وتدقيق مطلوب
تعد منظمة “ZARA” – اختصارا لـ “الشجاعة المدنية ومكافحة العنصرية” – واحدة من أبرز المنظمات النمساوية غير الحكومية المعنية برصد التمييز وتوثيق العنصرية، بما في ذلك “العنصرية المعادية للمسلمين”.
وعلى مدار السنوات الماضية، حظيت المنظمة بدعم حكومي مالي كبير. في بعض الأحيان وصل المبلغ إلى مئات الآلاف من اليورو سنويا من وزارات فيدرالية مختلفة.
ومع ذلك، تشير المعلومات المتاحة إلى جوانب تستدعي تدقيقا إداريا وسياسيا. خاصة فيما يتعلق بالشركاء الذين تتعاون معهم المنظمة في تقاريرها وأنشطتها.
“التحالف ضد العنصرية” تحت المجهر
يركز استجواب النائب تشينك – المنشور عبر موقع البرلمان النمساوي – على تعاون المنظمة ضمن “التحالف ضد العنصرية المعادية للمسلمين” الذي تأسس في مايو 2021. من أبرز الأسماء المرتبطة بهذا التحالف عالم السياسة النمساوي فريد حافظ. وقد شارك في إعداد التقرير السنوي للمنظمة لعام 2022.
ويشير الاستجواب إلى أن حافظ، الذي تلقى تمويلا من الاتحاد الأوروبي، يواجه انتقادات تتعلق بصلاته المزعومة بجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما سبق أن أشار إليه البرلمان الأوروبي في قرار صادر في أبريل 2021. كما يبرز الاستجواب تعاون المنظمة مع “شباب المسلمين النمساوي” (MJÖ)، وهي منظمة يصنفها باحثون في مجال التطرف، مثل لورينزو فيدينو، كجزء من بيئة الإخوان المسلمين.
ويتهم هذا التنظيم بمحاولة التأثير على العمليات السياسية. علاوة على ذلك، يتهم بحشد الرأي العام ضد القوانين المتعلقة بمكافحة الإسلام السياسي.
سياق أوسع: عملية الأقصر والجدل الدائر
لفهم عمق هذا الاستجواب، يجب العودة إلى “عملية الأقصر” التي نفذتها السلطات النمساوية في نوفمبر 2020، وهي أضخم عملية أمنية في زمن السلم ضد نشطاء وعلماء يشتبه في ارتباطهم بالإسلام السياسي.
ورغم أن القضاء النمساوي أسقط لاحقا تهم الإرهاب عن فريد حافظ وأقر بعدم قانونية بعض المداهمات، إلا أن “ZARA” تبنت موقفا معارضا بشدة لهذه العملية. كما وثقت انتقاداتها باعتبارها “عنصرية مؤسسية”.
هذا التباين يمثل جوهر الصراع السياسي في النمسا؛ فبينما يرى تيار من السياسيين (مثل تشينك) أن هذه المنظمات تستخدم “العنصرية المعادية للمسلمين” كسردية سياسية لنزع الشرعية عن انتقاد الممارسات الدينية أو التيارات الأيديولوجية، يرى حقوقيون ومنظمات مثل “ZARA” أن هذه التحركات هي محاولة لتقييد المجتمع المدني. كذلك يرون أنها محاولة لوصم الأكاديميين والناشطين.
تساؤلات حول معايير التمويل والرقابة
يطرح الاستجواب البرلماني سلسلة من الأسئلة المباشرة على الحكومة النمساوية، متسائلا عن معايير تقييم أهلية المنظمات للحصول على الأموال العامة. كما يتساءل عما إذا كانت الحكومة قد أجرت مراجعات أمنية لشركاء “ZARA”.
ويطالب النائب بمعرفة ما إذا كانت الحكومة تعتزم إجراء مراجعة شاملة لمشهد التمويل لضمان الشفافية والحياد. كذلك يطالب بالتأكد من عدم استغلال المال العام لتمرير أجندات تتعارض مع الأهداف الأمنية والسياسية للدولة.
يظل هذا التحقيق البرلماني مؤشرا على استمرار حالة الاستقطاب في النمسا حول تعريف “مكافحة الإسلام السياسي” مقابل “حرية العمل المدني”، مما يضع الحكومة أمام تحد حقيقي لتحقيق التوازن بين حماية الدولة من التطرف. كما يدفعها للحفاظ على نزاهة ومصداقية مؤسسات المجتمع المدني التي تمولها.


