واشنطن ، الولايات المتحدة – أفادت صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية بأن الولايات المتحدة تجري مناقشات رفيعة المستوى وبدرجة عالية من السرية، بشأن إمكانية نشر أسلحة نووية في دول أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو). الخطوة الأمريكية غير المسبوقة تأتي في إطار مساعي واشنطن لطمأنة الحلفاء الأوروبيين بأن تقليص الدعم العسكري التقليدي الأمريكي لا يعني إضعاف الضمانات الأمنية أو التخلي عن المظلة النووية التي تحمي القارة العجوز.
ونقلت الصحيفة عن ثلاثة أشخاص مطلعين على كواليس هذه المناقشات، أن مسؤولين أمريكيين أبدوا انفتاحهم الواضح على دراسة عمليات نشر إضافية خارج نطاق الدول الست الحالية التي تستضيف قاذفات قنابل وطائرات ذات قدرات نووية.
وتأتي هذه المحادثات الحساسة وسط حالة من القلق البالغ والواسع النطاق في العواصم الأوروبية إزاء تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرامية لسحب قوات أمريكية ومنظومات أسلحة استراتيجية بالغة الأهمية من القارة العسكرية. علاوة على ذلك، يجري نقلها إلى مسارح أخرى حول العالم.
“القدرة المزدوجة” وركائز الردع الاستراتيجي
ومن المحتمل أن تتيح هذه التفاهمات، في حال إقرارها، لمزيد من الدول الأوروبية استضافة ما يُسمى بـ “الطائرات الأمريكية ذات القدرة المزدوجة” (DCA). وهذه هي مقاتلات وقاذفات استراتيجية قادرة على حمل أسلحة تقليدية ونووية في آن واحد، وتُشكل العمود الفقري لمنظومة الردع التابعة لحلف الناتو.
وتشمل هذه القائمة طرازات حديثة ومطورة مثل طائرات F-35A الشبحية، والقاذفة الاستراتيجية B-21 Raider. بالإضافة إلى طائرات F-15E وB-2 Spirit وF-16، والتي تتميز بمرونتها العالية وقدرتها على تبديل الذخائر ميدانياً تبعاً لطبيعة المهمة.
وأكد اثنان من المصادر أن إبداء واشنطن استعدادها لمناقشة توسيع الرقعة الجغرافية للمشاركة النووية يهدف بالأساس إلى إظهار التزام الولايات المتحدة الصارم بتوفير مظلة نووية رادعة. ويأتي ذلك حتى في الوقت الذي يُضغط فيه بقوة على حلفاء الناتو الأوروبيين لتحمل المزيد من أعباء الدفاع التقليدي وزيادة ميزانياتهم العسكرية.
وفي هذا السياق، أبدت دول تمثل الجناح الشرقي للحلف، وفي مقدمتها بولندا وبعض دول البلطيق المحاذية لروسيا، اهتماماً كبيراً باحتمال استضافة قواعد لطائرات ذات قدرة مزدوجة.
وأعرب مسؤولون بولنديون بشكل علني عن رغبتهم في استضافة أسلحة نووية، حيث دعا الرئيس البولندي السابق أندريه دودا الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق مبادرة “الطائرات ذات القدرة المزدوجة” لتشمل أراضي بلاده. وفي الوقت نفسه، انضمت وارسو هذا العام إلى مبادرة فرنسية جديدة تستكشف إمكانية نقل أجزاء من قوتها الرادعة النووية بشكل مؤقت إلى دول أوروبية حليفة للمرة الأولى.
الحرب في أوكرانيا وحسابات برنامج المشاركة
وأشارت المصادر إلى أن الغزو الروسي لأوكرانيا، والتصريحات المتكررة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول القدرات النووية لبلاده، كانت الحافز الأكبر الذي دفع هؤلاء الحلفاء للمطالبة بضمانات نووية متقدمة. ومع ذلك، أكّد أحد المصادر أن التوصل إلى اتفاق نهائي وشيك بشأن توسيع نطاق الاستضافة ليس أمراً حتمياً في الوقت الراهن.
ويضم برنامج “المشاركة النووية” الحالي لحلف الناتو، والموروث منذ حقبة الحرب الباردة، ست دول هي: بلجيكا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وتركيا، وبريطانيا، والتي تستضيف قنابل نووية أمريكية “منتشرة في الخطوط الأمامية”.
وتحتفظ واشنطن بالسلطة الحصرية والكاملة لإصدار أمر استخدام هذه الأسلحة، التي تشرف على حراستها وتخزينها قوات أمريكية خاصة. في المقابل، تخضع المجموعات الجوية التابعة للدول الحليفة لتدريبات صارمة للمشاركة في مهام إظهار القوة العسكرية واستخدام تلك القنابل حال الحصول على الإذن الأمريكي.
ورغم تعهد الحلفاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم الدفاعي وسد الثغرات العسكرية التقليدية الناجمة عن خطة إدارة ترامب لنقل الموارد العسكرية إلى آسيا، فإن المظلة النووية الأمريكية تظل خياراً لا غنى عنه للقارة.
وهو ما لخصه الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، بعد اجتماع لوزراء خارجية الحلف مؤخراً تأكيده على وجوب بقاء الردع والدفاع العام في أوروبا راسخاً. وقد حذّر بحسم: “إذا ما تجرأ أحد على مهاجمتنا، فسيكون الرد مدوياً ومدمراً”.


