خاص، صوت الإمارات – بينما يغرق البرلمان الأوروبي في تفاصيل 531 تعديلاً على مسودة تقرير صربيا، يبدو أن بروكسل قد قررت أخيراً تجاوز لغة “القلق الدبلوماسي” الباردة. وها هي تضع يدها على العصب الأكثر حساسية لنظام “ألكسندر فوتشيتش”: المال.
فالمطالبة الصريحة التي تقدم بها حزب الخضر لتعليق أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة لبلجراد ليست مجرد مناورة سياسية. بل هي إيذان بمرحلة جديدة قد تنهي حقبة “الرقص على الحبال” التي أتقنتها صربيا لسنوات.
سلاح “اليورو” المفقود
لسنوات، استفادت صربيا من وضعية “المرشح الأبدي”؛ فهي تتلقى مليارات اليورو من صناديق “الإمدادات قبل الانضمام” (IPA). ومع ذلك، تحتفظ بحرية الحركة في مدارات موسكو وبكين. لكن التعديلات الأخيرة تشير إلى أن صبر “نادي الكبار” قد نفد.
فحين يطالب الخضر، مدعومين بكتل وازنة في الخفاء، بقطع المساعدات رداً على “عنف الشرطة” وقمع الاحتجاجات، فهم يدركون أن هذا هو السلاح الوحيد القادر على هز استقرار الحكومة. إذ تعتمد هذه الحكومة على هذه الأموال لتمويل مشاريع البنية التحتية وضمان الولاء السياسي.
إن تعليق المساعدات لا يعني فقط أرقاماً في الميزانية، بل يعني توقف “المحرك الأوروبي” الذي يمنح النظام الصربي شرعيته الاقتصادية أمام الداخل. وبلغراد تدرك أن التحول نحو روسيا أو الصين قد يوفر “سلاحاً أو استثمارات عينية”. لكنه لن يملأ الفجوة التي سيتركها انسحاب “اليورو” الأوروبي.
نوفي ساد.. القشة التي قصمت ظهر الصمت
لم تعد القضية مجرد “مواءمة سياسة خارجية” أو “عقوبات على روسيا”؛ بل تحولت إلى أزمة ثقة بنيوية. فمأساة نوفي ساد، والفساد المستشري الذي تشير إليه أصابع الاتهام في قطاع البناء، تحولت إلى “وقود” للمعارضة داخل البرلمان الأوروبي.
إصرار النواب على ذكر أسماء بعينها وانتقاد التعيينات “غير القانونية” في هيئات الإذاعة والمجتمع المدني، يكشف أن بروكسل بدأت تفكك “شبكة النفوذ” التي تحمي السلطة في بلغراد.
اليمين المتطرف: “المحامي” الأخير لفوتشيتش
المفارقة العجيبة في مشهد البرلمان الأوروبي تكمن في هوية “المدافعين” عن صربيا. فبينما يطالب الائتلاف الحاكم بالديمقراطية وسيادة القانون، تبرز جماعات اليمين المتطرف مثل “أوروبا للأمم ذات السيادة” وحزب “فيدس” المجري كحائط صد يدافع عن “سيادة صربيا”.
هذا التحالف الغريب يضع فوتشيتش في موقف محرج؛ فهو يجد نفسه مدعوماً من أطراف “سيئة السمعة” داخل الاتحاد. بالتالي يزيد ذلك من عزلة بلاده عن تيار “تجديد أوروبا” والاشتراكيين الديمقراطيين الذين يمتلكون مفاتيح القرار الحقيقي.
السيناريوهات القادمة: استقرار مهتز أم انصياع مرّ؟
تجد صربيا نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ:
1- الانصياع لبروكسل: وهذا يعني فرض عقوبات على روسيا وتفكيك منظومات الفساد المحمية سياسياً. ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى تصدع الجبهة الداخلية للنظام.
2- العناد السياسي: الاستمرار في النهج الحالي والمخاطرة بقرار “تجميد الأموال”. وهذا سيؤدي حتماً إلى أزمة اقتصادية خانقة قد تخرج الشارع الصربي عن صمته في موجة احتجاجات لن ترحم أحداً.
تقرير “تونينو بيكولا” المعدل ليس مجرد ورقة بيروقراطية ستصوت عليها ستراسبورغ في يوليو المقبل؛ إنه “إنذار أخير” لنظام يعيش على التناقضات.
فإذا سقطت المساعدات المالية، ستسقط معها قدرة بلجراد على المناورة. ولن يجد فوتشيتش حينها في موسكو أو بكين ما يعوضه عن “الجنة الأوروبية” التي بدأت تغلق أبوابها في وجهه.



