لندن – المملكة المتحدة — أثارت السلطات الحكومية البريطانية موجة عارمة من الجدل السياسي والإعلامي الواسع على الصعيدين الدولي والمحلي. جاء ذلك بعدما اتخذت قراراً مفاجئاً يقضي بمنع عدد من أبرز المعلقين والإعلاميين الأمريكيين من دخول أراضي المملكة المتحدة. في خطوة عملياتية ربطها أصحابها الممنوعون مباشرة بمواقفهم السياسية وانتقاداتهم العلنية الحادة لإسرائيل والحرب الدائرة في قطاع غزة.
إلغاء تصاريح السفر الإلكترونية قبل فعاليات لندن وأكسفورد
وبحسب ما كشفت عنه التقارير الإعلامية والصحفية الصادرة مؤخراً، فقد قامت وزارة الداخلية البريطانية بإلغاء تصاريح السفر الإلكترونية (ETA) الخاصة بالإعلامي الأمريكي التركي الأصل “جنك أويغور”، المؤسس والمدير التنفيذي للبرنامج الإخباري الشهير “ذا يونج تركس” (The Young Turks). كما ألغت الوزارة كذلك تصريح السفر للمعلق السياسي والناشط الإلكتروني البارز “حسن بيكر”. وجاء هذا الإجراء الإداري الصارم قبل أيام قليلة جداً من الموعد المقرر لمشاركتهما في حزمة من الفعاليات الفكرية، الندوات، والمؤتمرات العامة. كانت مدينتا لندن وأكسفورد تستعدان لاستضافتها.
من جانبها، أكدت وزارة الداخلية البريطانية رسمياً أن قرار المنع جاء بناءً على تقييم أمني وفني داخلي. اعتبر هذا التقييم أن وجود هؤلاء الأشخاص المعنيين على الأراضي البريطانية “قد لا يكون في صالح المصلحة العامة للبلاد”. مع ذلك، تجنبت الوزارة في بيانها الإشارة بشكل مباشر أو ضمني إلى إسرائيل. كما لم توضح طبيعة التصريحات والآراء المحددة التي استند إليها القرار الإداري.
اتهامات بالرقابة السياسية وموازنة الأمن المجتمعي
وفي أول رد فعل له، اعتبر الإعلامي جنك أويغور أن قرار لندن مرتبط ارتباطاً مباشراً وغير قابلاً للتأويل بمواقفه الفكرية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية. وأكد عبر منشورات رسمية على منصات التواصل الاجتماعي أنه أُبلغ بإلغاء تصريح سفره ومنعه من الطيران أثناء استعداده الفعلي للتوجه إلى العاصمة البريطانية للمشاركة في الفعاليات المقررة. وفي السياق ذاته، أعلن حسن بيكر عن تعرضه للإجراء التعسفي ذاته. وبالإضافة إلى ذلك، وجه اتهامات مباشرة لجهات وجماعات ضغط داعمة لإسرائيل بالوقوف وراء ممارسة الضغوط السياسية لدفع الحكومة البريطانية لمنع دخوله.
وفي المقابل، دافعت شخصيات سياسية بريطانية وجماعات محلية عن سلامة القرار الحكومي. وأشارت إلى أن بعض المواقف والتصريحات السابقة للمتحدثين الأمريكيين قد أثارت في وقت سابق اتهامات صريحة بمعاداة السامية، أو الترويج لخطابات إعلامية مثيرة للانقسام المجتمعي. نتيجة لذلك، شكلت هذه الأمور دافعاً أساسياً لجهات بريطانية عدة للمطالبة الرسمية بحظر دخولهما.
وأشعلت هذه القضية نقاشاً حقوقياً وقانونياً واسع النطاق داخل الأوساط والمنظمات الحقوقية البريطانية. حيث حذرت جمعيات معنية بالدفاع عن حرية التعبير من أن مثل هذه الإجراءات الإدارية الاستباقية قد تفتح الباب على مصراعيه أمام تقييد وحظر الآراء السياسية المخالفة والمثيرة للجدل. وفي المقابل، شددت الحكومة البريطانية على أن حماية الأمن المجتمعي الداخلي وصيانة السلم الأهلي تظلان دائماً على رأس أولوياتها الإستراتيجية والسيادية. كما أكدت الحكومة أنها تهدف أيضاً إلى منع انتشار خطاب الكراهية. وتأتي هذه الواقعة الحساسة في ظل تصاعد حدة الانقسام داخل دول غربية عدة حول آليات التعامل مع الخطابات الإعلامية المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط. في الوقت نفسه، يشهد العالم تزايد الخلافات البنيوية بشأن الحدود الفاصلة بين حرية الرأي والتعبير من جهة، ومنع التحريض أو خطاب الكراهية من جهة أخرى.


