لندن، المملكة المتحدة – أثار قرار الحكومة البريطانية تأميم شركة “بريتش ستيل“، المملوكة سابقاً لمجموعة “جينغيه” الصينية، مخاوف بشأن تداعيات الخطوة على ثقة المستثمرين الأجانب. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه بريطانيا بالفعل تراجعاً في عدد المشروعات الاستثمارية الجديدة وارتفاعاً في تكاليف ممارسة الأعمال.
وأعلنت الحكومة البريطانية، الخميس 16 يوليو 2026، نقل ملكية الشركة بالكامل إلى القطاع العام، بعد حصول قانون تأميم صناعة الصلب على الموافقة الملكية. واعتبرت أن القرار ضروري لحماية إنتاج الصلب المحلي والوظائف وسلاسل الإمداد ومشروعات البنية التحتية والأمن القومي.
وجاء انتقال الشركة إلى الملكية العامة بعد تدخل حكومي بدأ في أبريل 2025 لتشغيل مصانعها ومنع إغلاق أفران الصهر. وبقيت ملكيتها رسمياً للمستثمر الصيني حتى صدور قرار التأميم الكامل.
خلاف حول مستقبل آخر أفران الصلب
جاء التأميم بعد تعثر المفاوضات بين الحكومة البريطانية ومجموعة “جينغيه”، التي كانت تدرس إغلاق أفران الصهر في مصنع سكونثورب شمالي إنجلترا. وتعد هذه الأفران آخر أفران بريطانية قادرة على إنتاج الصلب الأولي من المواد الخام.
ويعمل في المصنع نحو 2700 شخص، فيما ترتبط به آلاف الوظائف الأخرى في قطاعات النقل والتوريد والخدمات. وكانت “جينغيه” قد اشترت الشركة عام 2020. وتقول إنها استثمرت أكثر من 1.2 مليار جنيه إسترليني للمحافظة على عملياتها رغم الخسائر واضطراب الإنتاج.
وقالت الحكومة إن الملكية العامة ستتيح تثبيت عمليات الشركة ووضع خطة لتحويلها إلى منتج منخفض الانبعاثات وقادر على الاستمرار تجارياً. كما أكدت أنها قد تدرس مستقبلاً مشاركة مستثمرين من القطاع الخاص.
الصين تحذر من تضرر ثقة شركاتها
جاء أقوى رد فعل على القرار من بكين، التي أعربت عن معارضتها الشديدة للتأميم، واتهمت الحكومة البريطانية بالاستحواذ “قسراً” على الشركة. وقالت إن الحكومة تجاهلت مساهمات مالكها الصيني في الاقتصاد والمجتمع البريطاني.
وقالت وزارة التجارة الصينية إن الخطوة أضرت بالحقوق والمصالح المشروعة لمجموعة “جينغيه”. ووجهت ضربة خطيرة إلى ثقة الشركات الصينية في الاستثمار داخل بريطانيا، مطالبة لندن بتوفير معاملة عادلة للمؤسسات الصينية.
وأشارت بكين إلى دعمها الشركات الصينية في اللجوء إلى الوسائل القانونية للدفاع عن حقوقها. كما تعهدت بمتابعة التطورات واتخاذ إجراءات لحماية مصالح المستثمرين الصينيين.
ومن المتوقع أن يتمحور الخلاف المقبل حول التعويض المالي، إذ ينص القانون البريطاني على تعيين خبير مستقل لتحديد ما إذا كان المالك السابق يستحق تعويضاً وحجم هذا التعويض. كما يُفترض أن تُعتمد الآلية التفصيلية خلال الخريف.
تراجع استثماري سبق قرار التأميم
وتكشف بيانات حديثة أن جاذبية بريطانيا الاستثمارية كانت تواجه ضغوطاً قبل قرار التأميم. وبحسب مسح “إرنست ويونغ” لجاذبية المملكة المتحدة لعام 2026، تراجع عدد مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر التي استقطبتها البلاد بنسبة 14.4% خلال 2025. فقد انخفض العدد من 853 مشروعاً إلى 730 مشروعاً. ويعد ذلك أدنى مستوى خلال عقد.
وعلى الرغم من هذا الانخفاض، حافظت بريطانيا على المرتبة الثانية أوروبياً بعد فرنسا من حيث عدد المشروعات. كما بقيت في صدارة الدول الأوروبية من حيث الوظائف الناتجة عن الاستثمار الأجنبي، ما يشير إلى تراجع في الزخم وليس انهياراً كاملاً للثقة حتى الآن.
وأظهر المسح أن 55% من مسؤولي الشركات يخططون لتأسيس عمليات في بريطانيا أو توسيعها خلال العام المقبل، مقارنة بـ62% في 2025 و69% في 2024. وهذا تراجع يعكس تزايد الحذر لدى المستثمرين.
التأثير قد يتركز في القطاعات الاستراتيجية
ويشير توقيت القرار وطبيعته إلى أن التأثير الأكبر قد يتركز على المستثمرين في القطاعات التي تعتبرها لندن مرتبطة بالأمن القومي، مثل الصلب والطاقة والبنية التحتية والدفاع والمعادن الحيوية. ويبدو أن هذا التأثير أكبر من امتداده إلى جميع الاستثمارات الأجنبية.
وقد تدفع القضية بعض الشركات الصينية خصوصاً إلى المطالبة بضمانات إضافية قبل ضخ استثمارات كبيرة في أصول بريطانية استراتيجية. كما تخشى تلك الشركات تدخل الحكومة عند نشوء خلاف بشأن التشغيل أو الإغلاق أو الأمن الاقتصادي.
في المقابل، تستند لندن إلى أن “بريتش ستيل” كانت شركة خاسرة ومهددة بالإغلاق، وأن تدخلها جاء لحماية آخر قدرة محلية على إنتاج الصلب الأولي. وتقول إن ذلك ليس ضمن سياسة عامة لمصادرة الشركات الأجنبية.
وسيتوقف الأثر الحقيقي للتأميم على طريقة تعويض المستثمر الصيني، وشفافية الإجراءات القانونية، ومدى نجاح الحكومة في إعادة الشركة إلى الاستدامة. فإذا جرى التعويض وفق قواعد واضحة وبقي التدخل محصوراً في حالة استثنائية، فقد تكون التداعيات محدودة. أما إذا تحول الملف إلى نزاع سياسي وقانوني طويل، فقد ترتفع المخاوف بشأن حماية الملكية واستقرار بيئة الاستثمار البريطانية. ويرى مراقبون أن قرار التأميم أضاف مصدراً جديداً للقلق إلى بيئة استثمارية كانت تواجه بالفعل ضغوطاً اقتصادية وتنظيمية متزايدة.


