باريس، فرنسا – في تحرك دبلوماسي وثقافي جديد، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) دعوة صريحة للمملكة المتحدة واليونان لتكثيف جولات التفاوض بشأن “رخام البارثينون”. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدولية لإنهاء واحدة من أطول القضايا الثقافية جدلاً في التاريخ المعاصر. فمن جهة، تواصل أثينا نضالها لسنوات طويلة لاستعادة هذه القطع. وتؤكد أنها “جزء لا يتجزأ من هويتها الوطنية”. بينما تستند لندن إلى حجج قانونية وفنية تتعلق بـ “العالمية”. كما تشير إلى الحفاظ على القطع ضمن مجموعات أثرية دولية.
أكثر من مجرد قطع أثرية: رمز الهوية الإغريقية
وعلاوة على ذلك، يمثل رخام البارثينون—الذي يعود تاريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد—جوهرة معبد البارثينون في أثينا، ورمزاً للعظمة الفنية للحضارة الإغريقية القديمة. ومن هذا المنطلق، يرى الخبراء أن هذا النزاع يتجاوز مجرد “ملكية قانونية”. إذ يتعلق بجوهر التراث الإنساني ومكان عرض الكنوز التاريخية. فبينما تعتز اليونان بالرخام كشاهد حي على عظمة أجدادها، تدافع المتاحف البريطانية عن دورها كـ “حاضنة عالمية” تحفظ هذه الكنوز. وتجعلها متاحة أمام ملايين الزوار من مختلف بقاع الأرض.
تداعيات مستقبلية: هل يفتح “البارثينون” باب الاسترداد العالمي؟
وفي ذات السياق، يراقب العالم هذه المفاوضات عن كثب، حيث يرى مراقبون أن أي اختراق حقيقي في هذا الملف لن يقتصر أثره على القطع اليونانية فحسب. بل قد يُشكل “سوابق قانونية وأخلاقية” تدفع دولاً أخرى للمطالبة باستعادة مقتنياتها التاريخية من المتاحف الغربية. وبناءً عليه، يمثل ضغط اليونسكو محاولة لتقريب وجهات النظر عبر إيجاد “صيغ تعاون” أو “إعارة طويلة الأمد”. وذلك بدلاً من التمسك بالخيار الثنائي الصعب: إما البقاء في الخارج أو العودة النهائية.
نحو تسوية دبلوماسية للنزاع التاريخي
وفي الختام، يظل التحدي أمام لندن وأثينا هو إيجاد لغة حوار تتجاوز “جدران المتاحف” نحو فضاء أوسع من التفاهم الثقافي. وبينما تزداد الدعوات الدولية لإعادة القطع التاريخية إلى موطنها الأصلي، تظل قضية البارثينون اختباراً لمدى قدرة النظام الدولي على التعامل مع مطالب الشعوب في الحفاظ على تراثها. مع ذلك يجب احترام التنوع في تجارب المتاحف العالمية. إن المحادثات القادمة—تحت مظلة اليونسكو—قد لا تؤدي إلى حل فوري، لكنها بالتأكيد ستكون حاسمة في صياغة مفهوم “العدالة الثقافية” في القرن الحادي والعشرين.


