القاهرة، مصر – يعد الخليفة العباسي المعتصم بالله، الذي تولى الحكم في القرن التاسع الميلادي، واحدًا من أبرز خلفاء الدولة العباسية. إذ شهد عهده تحولات سياسية وعسكرية وإدارية كبيرة. كان من أبرزها تأسيس مدينة سامراء واتخاذها عاصمة جديدة بدلًا من بغداد.
تولى المعتصم الخلافة عام 833 ميلادية خلفًا لأخيه المأمون، في فترة كانت الدولة العباسية تواجه تحديات داخلية واضطرابات سياسية وعسكرية. علاوة على ذلك، اتسع نفوذ الجند وتزايدت الحاجة إلى إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية.
نقل مركز الحكم من بغداد إلى سامراء
وكان من أبرز ما ميّز عهد المعتصم اعتماده بصورة أكبر على العناصر العسكرية التركية، التي أصبحت لاحقًا قوة مؤثرة داخل مؤسسات الدولة العباسية. وسعي الخليفة إلى بناء جيش أكثر قدرة على مواجهة التمردات وحماية حدود الدولة. لكنه في الوقت نفسه واجه تحديًا يتمثل في تنامي نفوذ العسكريين داخل الحياة السياسية.
ومن أهم الأحداث في عهده نقل مركز الحكم من بغداد إلى سامراء. إذ أسس المعتصم مدينة سامراء عام 836 ميلادية تقريبًا على ضفاف نهر دجلة شمال بغداد.
وجاء اختيار سامراء لأسباب مرتبطة بالوضع العسكري والسكاني في بغداد. فقد تسبب تزايد أعداد الجنود في العاصمة في توترات ومشكلات مع السكان. لهذا السبب، دفع المعتصم إلى البحث عن موقع جديد يوفر مساحة أكبر للجيش ويتيح له إدارة قواته بعيدًا عن الاحتكاكات المستمرة داخل بغداد.
وتحولت سامراء خلال فترة قصيرة إلى مدينة ضخمة تضم القصور والثكنات والمنشآت الإدارية. وأصبحت مقرًا للخلافة العباسية لعدة عقود. لكن فيما بعد، عادت العاصمة إلى بغداد في عهد الخليفة المعتمد عام 892 ميلادية.
المعتصم ومواجهات عسكرية مهمة
وشهد عهد المعتصم كذلك مواجهات عسكرية مهمة، من أبرزها حملته ضد بابك الخرمي، الذي قاد حركة تمرد واسعة في أذربيجان ومناطق مجاورة واستمر تمرده سنوات طويلة. وتمكن الجيش العباسي بقيادة الأفشين من القضاء على الحركة وأسر بابك. وهذا ما مثّل نجاحًا عسكريًا مهمًا للمعتصم.
كما ارتبط اسم المعتصم بمواجهة الإمبراطورية البيزنطية. من أشهر أحداث عهده حملته العسكرية على عمورية عام 838 ميلادية. حيث تعرضت المدينة لهجوم عباسي كبير انتهى بسقوطها. نتيجة لذلك، أصبحت الحملة واحدة من أبرز الانتصارات العسكرية في التاريخ العباسي.
ولم يكن المعتصم قائدًا عسكريًا فقط، بل واصل سياسات الدولة في إدارة المناطق التابعة للخلافة. كذلك، تعامل مع التحديات السياسية والدينية التي كانت تواجه الحكم العباسي في ذلك الوقت.
مرحلة مفصلية في تاريخ الدولة العباسية
وينظر إلى عصر المعتصم باعتباره مرحلة مفصلية في تاريخ الدولة العباسية، لأنه شهد انتقالًا تدريجيًا في مركز القوة من العاصمة التقليدية والمؤسسات المدنية إلى الجيش. خصوصًا مع صعود نفوذ القادة العسكريين الأتراك.
ورغم أن تأسيس سامراء ساهم في حل مشكلات آنية مرتبطة بالجيش، فإنه أدى أيضًا إلى ظهور مركز سياسي وعسكري جديد. في وقت لاحق، أصبح هذا المركز ساحة لصراعات داخلية بين القادة العسكريين والخلفاء.
وبعد وفاة المعتصم عام 842 ميلادية، استمر خلفاؤه في استخدام سامراء عاصمة للخلافة. هكذا دخلت الدولة العباسية مرحلة عُرفت لاحقًا بعصر سامراء، وهي فترة تركت آثارًا عميقة على بنية الحكم والعلاقة بين الخليفة والجيش.
وهكذا لم يقتصر تأثير المعتصم بالله على الحملات العسكرية أو تأسيس مدينة جديدة. بل امتد إلى إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة العباسية. فقد جعل الجيش عنصرًا أكثر تأثيرًا في صناعة القرار. وبذلك ساهم هذا التحول في رسم مسار الخلافة خلال العقود التالية.


