بوينس آيرس، الأرجنتين – تعد إيفا بيرون، المعروفة باسم “إيفيتا”، واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الأرجنتين، بعدما تحولت إلى رمز للدفاع عن الفقراء والعمال وحقوق المرأة. لكن بعد وفاتها، لم تنتهِ قصتها، بل بدأت واحدة من أكثر الوقائع غرابة في التاريخ السياسي، عندما اختفى جثمانها لمدة 16 عامًا وسط صراع سياسي وأمني معقد.
وتوفيت إيفا بيرون في 26 يوليو عام 1952 عن عمر ناهز 33 عامًا بعد صراع مع سرطان عنق الرحم، وكانت زوجة الرئيس الأرجنتيني خوان دومينغو بيرون، كما حظيت بشعبية جارفة بفضل برامجها الاجتماعية ودعمها للفئات الأكثر احتياجًا.
عملية تحنيط دقيقة
وبعد وفاتها، خضع جثمانها لعملية تحنيط دقيقة بهدف عرضه في نصب تذكاري ضخم كان يخطط لإقامته تخليدًا لذكراها، إلا أن انقلابًا عسكريًا أطاح بحكم الرئيس بيرون عام 1955 غيّر مسار الأحداث بالكامل.
ورأت السلطات العسكرية الجديدة أن جثمان إيفا قد يتحول إلى رمز يحشد أنصار الرئيس المعزول ويغذي المعارضة الشعبية، فقررت إخفاءه سرًا. ونقل الجثمان بين عدة مواقع داخل الأرجنتين في عملية اتسمت بسرية بالغة، قبل أن يهرب خارج البلاد بهوية مزيفة.
واستقر الجثمان لسنوات في مقبرة بمدينة ميلانو الإيطالية، حيث دفن تحت اسم مستعار بعيدًا عن الأضواء، وظلت السلطات تتكتم على مكانه الحقيقي، بينما انتشرت الشائعات والتكهنات حول مصيره، وتحولت القضية إلى واحدة من أشهر ألغاز التاريخ السياسي في أمريكا اللاتينية.
إجراءات أمنية خاصة
وفي عام 1971، وبعد 16 عامًا من اختفائه، قررت السلطات العسكرية إعادة الجثمان إلى خوان بيرون، الذي كان يعيش في منفاه بإسبانيا، حيث احتفظ به في منزله حتى عاد إلى الأرجنتين بعد سنوات.
وبعد عودة بيرون إلى الحكم ووفاته لاحقًا، نقل جثمان إيفا بيرون عام 1976 إلى مقبرة عائلتها في حي ريكوليتا بالعاصمة بوينس آيرس، حيث دفن داخل قبر شديد التحصين على عمق كبير، مع اتخاذ إجراءات أمنية خاصة لمنع أي محاولة جديدة للعبث به.
ولا تزال إيفا بيرون حتى اليوم واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الأرجنتين، إذ يعتبرها ملايين الأرجنتينيين رمزًا للعدالة الاجتماعية ونصيرة للفقراء والعمال، بينما تبقي قصة اختفاء جثمانها واستعادته واحدة من أكثر الحوادث السياسية غرابة، بعدما امتزجت فيها السلطة بالتاريخ والأسطورة على مدار أكثر من عقد ونصف.


