يُعد “إنذار الإسكندرية” أحد أخطر المحطات في التاريخ المصري الحديث، إذ شكّل نقطة التحول التي مهدت الطريق للتدخل العسكري البريطاني واحتلال مصر عام 1882. في تلك الفترة، استغلّت بريطانيا حالة الاضطراب السياسي والعسكري في البلاد لتفرض شروطها على الحكومة المصرية. بعد ذلك، تحولت الأزمة إلى مواجهة عسكرية انتهت بقصف مدينة الإسكندرية، ثم احتلال البلاد لعقود طويلة.
سياق تاريخي متوتر
جاء الإنذار في يوليو 1882، في ظل تصاعد الثورة العرابية بقيادة الزعيم أحمد عرابي. رفعت هذه الثورة شعار الدفاع عن حقوق المصريين ورفض الهيمنة الأجنبية على شؤون الدولة. هذا الموقف أثار مخاوف بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا تمتلكان مصالح اقتصادية واسعة، خاصة بعد حفر قناة السويس وتزايد النفوذ الأوروبي داخل مصر.
ذريعة التحصينات
اتهمت بريطانيا السلطات المصرية بإقامة تحصينات عسكرية جديدة حول ميناء الإسكندرية، واعتبرت هذه التحركات تهديدًا لأسطولها البحري. وبناءً على ذلك، وجهت إنذارًا رسميًا طالبت فيه بوقف أعمال التحصين وتسليم بعض المواقع الدفاعية. كما لوحت باستخدام القوة العسكرية في حال رفض المطالب.
الرفض والمواجهة
رفضت الحكومة المصرية، بدعم من أحمد عرابي، الاستجابة للإنذار البريطاني، معتبرة أن بناء التحصينات حق سيادي يهدف إلى حماية الأراضي المصرية، وليس عملًا عدائيًا ضد أي دولة. نتيجة ذلك، دفع هذا الموقف بريطانيا إلى تنفيذ تهديدها، ففي 11 يوليو 1882، بدأت البحرية البريطانية قصفًا مكثفًا لمدينة الإسكندرية. واستمر القصف لساعات طويلة وأدى إلى تدمير أجزاء واسعة من المدينة، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، فضلًا عن اندلاع حرائق واسعة وخسائر جسيمة في الممتلكات والبنية التحتية. هكذا دخلت المدينة في واحدة من أصعب فتراتها التاريخية.
الطريق إلى الاحتلال
لم يتوقف الأمر عند قصف الإسكندرية، بل اتخذته بريطانيا ذريعة لإرسال قواتها إلى داخل الأراضي المصرية. دارت معارك عدة كان أبرزها معركة التل الكبير في سبتمبر 1882. انتهت هذه المعركة بهزيمة قوات أحمد عرابي ودخول القوات البريطانية القاهرة. نتيجة لذلك، بدأت مرحلة الاحتلال البريطاني الذي استمر فعليًا حتى منتصف القرن العشرين.
أبعاد استراتيجية وذاكرة وطنية
يرى مؤرخون أن إنذار الإسكندرية لم يكن مجرد خلاف عسكري حول التحصينات، بل كان جزءًا من خطة أوسع لضمان السيطرة البريطانية على مصر، وحماية طريق التجارة إلى الهند وتأمين قناة السويس، التي كانت تمثل شريانًا استراتيجيًا للإمبراطورية البريطانية. ولا يزال هذا الحدث يمثل محطة مفصلية في الذاكرة الوطنية المصرية. إذ يعتبرونه الحدث الذي غيّر مسار تاريخ البلاد، وأطلق مرحلة جديدة من الصراع ضد الاحتلال، انتهت لاحقًا باستعادة مصر استقلالها وسيادتها الكاملة بعد عقود من المقاومة السياسية والشعبية.


