نيويورك، الولايات المتحدة – في مثل هذا اليوم، يستعيد عشاق الأدب حول العالم ذكرى صدور الطبعة الأولى من ديوان «أوراق العشب» للشاعر الأمريكي والت ويتمان. يُعد هذا الديوان أحد أكثر الأعمال الأدبية تأثيرًا في تاريخ الشعر الحديث، إذ شكّل منذ ظهوره نقطة تحول جذرية في مسيرة الأدب الأمريكي، وأصبح لاحقًا مرجعًا أساسيًا للعديد من الشعراء والكتاب في مختلف أنحاء العالم.
كسر القواعد التقليدية للشعر
صدر الديوان لأول مرة عام 1855 بتمويل ذاتي من ويتمان، الذي أشرف بنفسه على كافة تفاصيل طباعته وتصميمه. وعلى الرغم من أن نسخته الأولى ضمت 12 قصيدة فقط، إلا أنه أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الأدبية؛ لأسلوبه المختلف والمبتكر الذي كسر القواعد التقليدية الصارمة للشعر. اعتمد ويتمان في قصائده على “الشعر الحر” ولغة بسيطة قريبة من تفاصيل الحياة اليومية، إلى جانب احتفائه العميق بالإنسان، والطبيعة، وقيم الحرية والديمقراطية.
بين الانتقادات اللاذعة وإشادة إيمرسون
لم يحظَ ديوان «أوراق العشب» في بداياته بقبول واسع، بل تعرض لانتقادات لاذعة بسبب جرأته الفكرية واللغوية غير المألوفة في ذلك العصر. ومع ذلك، شكلت إشادة الكاتب والفيلسوف الأمريكي البارز رالف والدو إيمرسون نقطة ضوء محورية، حيث اعتبر العمل “بداية جديدة للأدب الأمريكي”. منحت هذه الإشادة ويتمان دفعة معنوية كبيرة شجعته على مواصلة تطوير ديوانه وإثراء قصائده.
مشروع عُمر وتطور فكري مستمر
على مدار حياته، لم يتوقف ويتمان عن مراجعة الكتاب وتنقيحه وإضافة قصائد جديدة إليه. وقد استمر هذا الشغف حتى طبعته الأخيرة التي نُشرت قبل وفاته، والتي ضمت أكثر من 400 قصيدة. تحول «أوراق العشب» بذلك إلى مشروع أدبي متكامل رافق الشاعر طوال سنوات عمره، ليعكس بصدق تطور رؤيته الفكرية والإنسانية والفلسفية.
إرث أدبي يتجاوز حدود الزمان والمكان
يُعد ويتمان اليوم أحد أبرز رواد الشعر الحر في العالم. وقد تركت أعماله تأثيرًا عميقًا في أجيال متعاقبة من الشعراء، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل في مختلف الثقافات؛ حيث تُرجمت قصائده إلى عشرات اللغات، وأصبحت موضوعًا رئيسياً للدراسة في الجامعات والمؤسسات الأدبية العالمية.
ولا يزال «أوراق العشب» يحتفظ بمكانته المرموقة بوصفه واحدًا من أهم الأعمال الكلاسيكية في الأدب العالمي. ويعود ذلك إلى ما يحمله من أفكار إنسانية وفلسفية عميقة تحتفي بالفرد، والحرية، والتنوع، مؤكدًا قدرة الأدب الخالدة على تجاوز حدود الزمان والمكان، ليظل بعد أكثر من قرن ونصف على صدوره مصدر إلهام لا ينضب للقراء والمبدعين في كل مكان.


