برلين ، ألمانيا – في تحول تاريخي يمثل قطيعة مع عقود من السياسات المالية الصارمة، تعتزم الحكومة الألمانية اقتراض أكثر من 800 مليار يورو بحلول عام 2030. سيتم ذلك لتمويل طفرة استثنائية في الإنفاق الدفاعي وتحديث البنية التحتية الوطنية، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز”.
إعادة التسلح وتحديات الجغرافيا السياسية
تأتي هذه الخطوة استجابة للمخاوف الأمنية المتصاعدة من روسيا. كذلك، تتزامن مع توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرامية لتقليص الالتزام العسكري الأميركي في أوروبا. وتهدف حكومة المستشار فريدريش ميرتس إلى رفع الإنفاق الدفاعي من 109 مليارات يورو في العام المقبل إلى نحو 183.6 مليار يورو بحلول عام 2030. وفي هذا السياق، عدّلت برلين القاعدة الدستورية لـ “كبح الديون”. حيث استثنت الإنفاق العسكري من السقف المالي المحدد، وهو ما يسمح لها بالوصول إلى نسبة إنفاق دفاعي تبلغ 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029.
صندوق استثماري للنهوض بالاقتصاد
إلى جانب تعزيز القدرات العسكرية، خصصت الحكومة الألمانية صندوقاً ضخماً للبنية التحتية بقيمة 500 مليار يورو. يهدف هذا الصندوق إلى تحديث الجسور، السكك الحديدية، المستشفيات، وشبكات الطاقة. وتخطط برلين لجمع 55 مليار يورو في عام 2027 وحدها لتمويل هذه الاستثمارات الحيوية. ويأتي ذلك في محاولة لانتشال أكبر اقتصاد في أوروبا من حالة الركود التي يعاني منها، ومواجهة ضغوط الرسوم الجمركية وتكاليف الطاقة.
جدل سياسي ومخاوف اقتصادية
أثارت هذه السياسة “الجريئة” جدلاً حاداً داخل الأوساط الألمانية، لا سيما داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي طالما نادى بسياسة “صفر عجز” (Schwarze Null). ورغم دفاع وزير المالية لارس كلينجبايل عن هذه الخطوة باعتبارها ضرورة لا بد منها لمواجهة التهديدات الوجودية، إلا أن القطاع الصناعي أبدى قلقه البالغ. حيث حذر “اتحاد الصناعات الألمانية” (BDI) من حجم الاقتراض “المقلق”. بينما انتقد اتحاد (VDMA) تضخم الأعباء المالية، خاصة مع توقعات بتضاعف مدفوعات فوائد الدين الألماني من 42 مليار يورو العام المقبل إلى 81 مليار يورو في عام 2030.
وبينما يتوقع مراقبون أن تساعد هذه الحزمة في تعزيز مرونة ألمانيا الدفاعية، يبقى السؤال حول قدرة أكبر اقتصاد أوروبي على إدارة هذا الدين الهائل دون المساس باستقراره المالي على المدى الطويل. ويأتي هذا السؤال في وقت تظل فيه الأسواق تراقب عن كثب مدى فعالية هذه الإنفاقات في تحقيق الانتعاش المنشود.


