بروكسل، بلجيكا – يستعد الاتحاد الأوروبي لخطوة مفصلية في مساره الاقتصادي. تلتئم غداً اجتماعات “مجلس الشؤون العامة” في بروكسل للبدء في بلورة توافق سياسي حول الإطار المالي متعدد السنوات (MFF) للفترة 2028–2034. هذه الموازنة تُعد بمثابة “خارطة الطريق” للإنفاق الأوروبي، وتأتي في وقت حساس يشهد فيه الاقتصاد العالمي تقلبات وتحديات جيوسياسية متزايدة. ويهدف المجلس من خلال هذه المباحثات إلى وضع سقوف واضحة للإنفاق تضمن تعزيز “السوق الموحدة”. كما تهدف إلى دفع عجلة النمو لتكون القارة العجوز أكثر قدرة على المنافسة دولياً.
أولويات الإنفاق: الابتكار كركيزة للاستقرار
وعلاوة على ذلك، لا تقتصر الموازنة المقترحة—التي قدمتها المفوضية في يوليو 2025—على مجرد أرقام. بل تعكس رؤية استراتيجية تركز على “دعم الابتكار”. وتتصدر دول الشمال الأوروبي المشهد في دفع عجلة التغيير. فهي تطالب بـ “تبسيط الإجراءات” التي تتيح للشركات الصغيرة والمتوسطة الوصول إلى التمويلات الأوروبية بسهولة أكبر. ومن هذا المنطلق، يتم التركيز على تفعيل “أدوات تمويل المخاطر” لدعم الشركات الناشئة. كذلك تهدف إلى ضمان أن يذهب الإنفاق المخصص للبحث والتطوير إلى المشاريع الأكثر كفاءة، مع تعزيز دور القطاع الخاص كشريك أساسي في هذه الاستثمارات.
أجندة المجلس الأوروبي: الملفات الساخنة
وفي ذات السياق، يمهد اجتماع “الشؤون العامة” الطريق أمام قمة المجلس الأوروبي المرتقبة في يونيو. هذه القمة ستحمل على طاولتها ملفات ثقيلة تتجاوز الاقتصاد، لتصل إلى صلب الأمن والسياسة الدولية. وتشمل الأجندة:
- الأمن والدفاع: تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.
- السياسة الخارجية: التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط.
- سيادة القانون: استكمال الحوار السنوي حول حالة الديمقراطية وسيادة القانون في دول أعضاء مثل فرنسا، إيطاليا، كرواتيا، ولاتفيا.
- العلاقات مع المملكة المتحدة: بحث سبل تطوير التعاون المستقبلي بين بروكسل ولندن.
تحدي التوازن: بين السيادة والتعاون
وفي الختام، يمثل هذا الإطار المالي اختباراً لمدى تماسك الكتلة الأوروبية وقدرتها على توحيد الأولويات في ظل تباين المصالح الوطنية. إن نجاح المفاوضات لا يكمن فقط في تخصيص الأموال، بل في ضمان أن الإنفاق الأوروبي يخلق “قيمة مضافة” حقيقية للمواطنين والشركات. وبينما تتجه الأنظار إلى بروكسل، يبقى السؤال: هل ستنجح الدول الأعضاء في تجاوز خلافاتها التقليدية حول حصص الإنفاق؟ وهل ستخرج بموازنة تمنح الاتحاد الأوروبي وزناً اقتصادياً أقوى في عالم يتجه نحو تكتلات اقتصادية عملاقة؟


