كييف ، أوكرانيا – في تحول تكنولوجي واستراتيجي غير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة، أثبتت أوكرانيا أن الاعتماد المكثف على “الروبوتات القاتلة” الأرضية والجوية قد غير مسار الصراع ضد روسيا بشكل جذري.
وبحسب تقرير شامل لشبكة “CNN” بتاريخ 30 مايو 2026، فإن الجيش الأوكراني نفذ منذ بداية العام الجاري ما يزيد عن 22 ألف مهمة قتالية باستخدام معدات غير مأهولة حصرا. وهذا التحول سجل تغييرا نوعيا في أسلوب إدارة المعارك.
“الموت الصامت”: تكتيكات الروبوتات في الجبهة الشرقية
لم يعد القتال يتطلب دائما وجودا بشريا في الخطوط الأمامية؛ ففي أبريل الماضي، سجل التاريخ العسكري أول حالة استيلاء كامل للجيش الأوكراني على موقع روسي محصن باستخدام الروبوتات والطائرات بدون طيار فقط، دون نشر أي جندي على الأرض.
وتؤكد التقارير الميدانية أن عمليات الهدم الست الأخيرة التي نفذها الجيش الأوكراني على الجبهة الشرقية قد نفذت بالكامل بواسطة الروبوتات القتالية. وهذا تسبب بتأثير مدمر على القوات الروسية.
ويدار هذا “الجيش الميكانيكي” من غرف عمليات بعيدة، حيث يجلس القادة على كراسي مشابهة لتلك التي يستخدمها لاعبو الفيديو، يراقبون البث المباشر المخصص من طائرات الاستطلاع بدون طيار، ويوجهون الأوامر بدقة جراحية. وتتمتع المركبات الروبوتية ذات العجلات بمزايا تكتيكية خارقة، إذ جهزت بكاميرات متعددة تمنحها مجال رؤية واسعا. بالإضافة إلى ذلك، لديها قدرة على العمل لفترات طويلة دون الحاجة لراحة أو إعادة تزويد. كما تحمل في هيكلها ما يصل إلى 400 طلقة ذخيرة. وتقوم بمهام قتالية تبدأ من إطلاق النار المباشر بالمدافع الرشاشة وصولا إلى تفجير العبوات الناسفة، بل وتصل مهامها إلى توصيل الإمدادات للقوات الصديقة.
والمثير للرعب في صفوف الجيش الروسي هو الصمت المطبق لهذه الآلات؛ حيث لا تكاد تصدر أي ضوضاء أثناء تحركها، مما يجعل القوات المعادية لا تكتشفها إلا وهي على بعد 10 أمتار فقط. لهذا السبب أطلق الجنود الروس اسم “الموت الصامت” على “فيلق الروبوتات” الأوكراني.
من الضرورة اليائسة إلى التفوق الاستراتيجي
يرى الخبراء العسكريون أن هذا الاعتماد المتزايد على الأنظمة غير المأهولة ليس مجرد خيار تكنولوجي، بل هو “إجراء يائس” فرضته التحديات الوجودية التي يواجهها الجيش الأوكراني. ومنذ العمليات العسكرية الروسية في عام 2022، تكبدت أوكرانيا خسائر بشرية فادحة. ومع تذبذب الدعم العسكري الغربي، وجدت كييف نفسها مضطرة لابتكار جيش من الروبوتات لتعويض النقص الحاد في القوى البشرية.
وعلى الرغم من هذا الطابع “الاضطراري”، إلا أن النتيجة كانت استراتيجية بامتياز؛ فقد ساهمت هذه الروبوتات في تحقيق هدف أوكرانيا المتمثل في إلحاق 35 ألف إصابة في صفوف القوات الروسية شهريا هذا العام. هذا أدى إلى رفع إجمالي خسائر روسيا البشرية إلى 500 ألف قتيل. إن هذا “التفوق غير المأهول” قد منح الجيش الأوكراني ميزة مفاجئة وغير مستقرة لروسيا، التي لا تزال تعتمد في جزء كبير من عملياتها على القوة البشرية التقليدية.
وبينما تستمر الحرب، يبدو أن أوكرانيا قد وضعت العالم أمام نموذج جديد للحروب. ففي هذا النموذج، تدار المعارك بواسطة خوارزميات وقادة يجلسون خلف الشاشات، تاركين “الموت الصامت” ليقوم بمهامه على أرض المعركة.


