سيول، كوريا الجنوبية – في خطوة تقنية جريئة جعلت منه رائداً عالمياً، دشن بنك كوريا المركزي نظام “بوكي” (Vokey)، وهو أول نظام ذكاء اصطناعي “سيادي” مصمم خصيصاً ليناسب طبيعة العمل المصرفي الحساسة. بعد أربعة أشهر فقط من إطلاقه، لم يعد “بوكي” مجرد أداة برمجية، بل أصبح “الزميل الرقمي” الذي يرافق الموظفين في أروقة البنك، محولاً مهام كانت تتطلب ساعات من البحث المرهق إلى إجابات فورية ودقيقة. هذا التحول ليس مجرد سرعة في الأداء، بل هو إعادة صياغة كاملة لكيفية تعامل البنوك المركزية مع بياناتها الضخمة في عصر الأمن الرقمي المتزايد.
كسر قيود الشبكات: البيانات تحت مجهر “بوكي”
وعلاوة على ذلك، يكمن عبقرية “بوكي” في قدرته على تخطي العقبات التقنية التقليدية، مثل “فصل الشبكات” الذي غالباً ما يعيق الربط بين البيانات الداخلية والخارجية. من خلال ربطه بمنصة البيانات الداخلية للبنك (BIDAS)، أصبح بإمكان النظام الوصول إلى أكثر من 19 مليون مجموعة بيانات بضغطة زر. ومن هذا المنطلق، لم يعد الموظف مضطراً للبحث اليدوي في الوثائق القديمة أو الأنظمة الإحصائية المتشعبة؛ فبإمكان “بوكي” الآن:
- تقديم توصيات فورية: تحليل سلاسل زمنية معقدة وبيانات السندات الحكومية.
- الترجمة السياقية: اختزال وقت ترجمة التقارير من يومين إلى 4 ساعات فقط، مع فهم دقيق للمصطلحات النقدية.
- محاكاة الإعلام: التنبؤ بتوقعات عناوين المقالات في وسائل الإعلام بفضل قاعدة بيانات واسعة.
الأمن أولاً: عندما يصبح “الذكاء الاصطناعي” سيادياً
وفي ذات السياق، كان الهاجس الأكبر للبنك هو الحفاظ على “سرية المعلومات”، خاصة بعد الانتشار الصاروخي لـ “ChatGPT”. وهنا برزت قوة الشراكة الاستراتيجية مع شركة “Naver” الكورية، حيث تم تدريب النظام على 1.4 مليون وثيقة داخلية مع تنظيف دقيق للبيانات الشخصية، لضمان الامتثال الصارم للمبادئ الأمنية لجهاز المخابرات الوطني الكوري. إن “بوكي” ليس مجرد نموذج لغوي، بل هو نموذج “سيادي” يضمن أن تبقى معلومات الدولة المالية داخل جدرانها المحصنة، بعيداً عن أعين النماذج العالمية التي قد لا توفر الحماية الكافية للخصوصية.
خاتمة: نحو “بوكي 2.0”.. مستقبل المؤسسات الذكية
وفي الختام، يضع بنك كوريا المركزي معياراً جديداً للبنوك المركزية حول العالم التي تعاني من معضلة استخدام البيانات الداخلية في النماذج المدفوعة. وبينما يستعد البنك لإطلاق “بوكي 2.0” في يوليو المقبل—والذي سيقدم واجهة أكثر ذكاءً وقدرات محادثة طبيعية—يظل “بوكي” تجسيداً لكيفية تسخير التكنولوجيا الحديثة لخدمة المؤسسات الحساسة. إن نجاح هذه التجربة يثبت أن المستقبل ليس للذكاء الاصطناعي العام فحسب، بل للذكاء الاصطناعي “المتخصص والسيادي” الذي يفهم سياق عمل مؤسسته ويحفظ أمانها في آن واحد.


