- إيران تعيد بناء الصواريخ من «المخزون» لا من الصفر
- لماذا لم يعد تدمير مصنع الصواريخ كافيًا؟
- من المخزون إلى «القدرة على التعويض»
- الرقم الذي يكشف حجم المشكلة
- الوقود الصلب.. العقدة الأهم في إعادة بناء الترسانة
- سباق المصانع.. الولايات المتحدة تواجه معادلة مختلفة
- إيران لا تحتاج إلى استعادة ترسانتها كاملة لتغيير المعادلة
- لماذا أصبحت الأنفاق جزءًا من استراتيجية الإنتاج؟
- الحرب القادمة قد تبدأ من المصانع قبل الجبهات
- من يملك الوقت يملك الصاروخ
أبو ظبىى ، الامارات – لم تعد معادلة القوة الصاروخية الإيرانية تُقاس بعدد الصواريخ التي نجت من الضربات الأمريكية والإسرائيلية فقط، بعدما كشفت التطورات الأخيرة أن طهران بدأت استعادة جزء من قدرتها على إنتاج الصواريخ الباليستية، ولو بكميات محدودة. وبحسب تقرير نشرته «وول ستريت جورنال» ونقلته رويترز، استأنفت إيران تجميع صواريخ باليستية باستخدام مكونات كانت مخزنة قبل الحرب، داخل منشآت تحت الأرض، مع استمرار العمل على مواقع جديدة أكثر تحصينًا.
وتشمل عمليات التجميع صواريخ تعمل بالوقود الصلب وأخرى بالوقود السائل، لكن بمعدلات أقل من مستويات ما قبل الحرب. المعلومة الأهم هنا ليست أن إيران «أعادت بناء ترسانتها» بالكامل، فهذا استنتاج لا تدعمه البيانات المتاحة، وإنما أن الضربات التي استهدفت البنية الصاروخية لم تُنهِ قدرة طهران على إعادة توليد القوة الصاروخية.
إيران تعيد بناء الصواريخ من «المخزون» لا من الصفر
تكشف العودة المحدودة للإنتاج عن مرحلة مختلفة من إعادة بناء القوة الإيرانية ، فبدل انتظار إعادة تشغيل كل خطوط الإنتاج التقليدية، تستطيع طهران الاستفادة من مكونات موجودة بالفعل، مثل الهياكل وأنظمة التوجيه وبعض عناصر التسليح، ثم إعادة تجميعها في منشآت تحت الأرض. هذه الطريقة تقلل الزمن المطلوب للعودة إلى الإنتاج، وتسمح بتحويل المخزون الصناعي المتبقي إلى صواريخ قابلة للاستخدام، حتى في ظل تعرض المنشآت الرئيسية للضربات.
وتشير دراسة حديثة لمعهد الشرق الأوسط إلى أن المشكلة الأساسية بعد الحرب ليست حجم المخزون المتبقي فقط، وإنما امتلاك إيران للخبرة والبنية التحتية والدافع اللازم لإعادة بناء قدراتها. كما تشير الدراسة إلى أن تقدير القدرة الحالية على الإنتاج يظل صعبًا بسبب طبيعة البرنامج الموزعة والسرية.
لماذا لم يعد تدمير مصنع الصواريخ كافيًا؟
على مدى سنوات، كان أحد الأهداف الأساسية للضربات الإسرائيلية والأمريكية يتمثل في إضعاف البنية الصناعية التي تنتج الصواريخ ، لكن طبيعة البرنامج الإيراني تجعل هذه المهمة أكثر تعقيدًا. يران طورت شبكة تضم منشآت إنتاج وتخزين تحت الأرض، ومواقع متفرقة، ومنشآت ذات استخدامات مزدوجة، إضافة إلى منصات إطلاق متحركة. ولذلك فإن تدمير مبنى أو مدخل نفق لا يعني بالضرورة القضاء على القدرة التي كانت موجودة بداخله.
وتشير دراسة لمعهد الشرق الأوسط إلى أن الطبيعة المتنقلة للصواريخ الإيرانية وتوزع بنيتها الصناعية يجعلان مراقبة الإنتاج أصعب بكثير من مراقبة برنامج يعتمد على منشأة مركزية واحدة. وهنا تتغير قاعدة الاشتباك: المصنع الذي يمكن تدميره مرة قد لا يكون هو نفسه المصنع الذي يجب تدميره في الجولة التالية.
من المخزون إلى «القدرة على التعويض»
التحول الأهم في الحرب الإيرانية هو انتقال التركيز من سؤال «كم صاروخًا تملك إيران؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كم صاروخًا تستطيع إيران تعويضه خلال فترة زمنية محددة ؟ وهذا الفارق جوهري ، فحتى إذا انخفض المخزون الإيراني بصورة كبيرة، فإن امتلاك القدرة على إعادة تصنيع الصواريخ وإصلاح منصات الإطلاق واستعادة شبكات القيادة والسيطرة يمنح طهران فرصة للعودة إلى مستوى من القدرة الهجومية بعد كل جولة من الضربات.
وقد وثقت دراسات أمريكية خلال فترات وقف القتال السابقة محاولات إيرانية لإعادة بناء القدرات العسكرية، بما في ذلك إصلاح منصات الإطلاق واستعادة بعض البنية التشغيلية ،وبالتالي، فإن فترة التوقف بين جولتين عسكريتين لا تعني بالضرورة تراجع الخطر؛ فقد تتحول إلى فترة إعادة إنتاج للقوة.
الرقم الذي يكشف حجم المشكلة
تقدم دراسة لمعهد الشرق الأوسط مؤشرًا مهمًا على سرعة إعادة البناء الإيرانية ، فالدراسة تشير إلى أن إيران استطاعت، بين حرب يونيو 2025 والحرب التالية، تعويض نحو ألف صاروخ وفق تقديراتها، بما يعادل معدل إنتاج تقريبي يتراوح بين 100 و125 صاروخًا شهريًا خلال تلك الفترة.
لكن الدراسة نفسها تؤكد أن هذه الأرقام تقديرية، وأنه لا توجد حاليًا بيانات علنية موثوقة تحدد معدل الإنتاج الإيراني بعد الضربات الأخيرة ، وهذا يعني أن الحديث عن «عودة الإنتاج» لا يساوي الحديث عن عودة إيران إلى معدلات الإنتاج السابقة، بل يشير إلى أن خط إعادة البناء لم يتوقف بالكامل.
الوقود الصلب.. العقدة الأهم في إعادة بناء الترسانة
لا تتساوى جميع الصواريخ في صعوبة إعادة إنتاجها ، فالتحول الإيراني المتزايد نحو الصواريخ ذات الوقود الصلب يجعل ملف الإنتاج أكثر حساسية، لأن هذا النوع يوفر سرعة أكبر في التجهيز والإطلاق مقارنة بالصواريخ العاملة بالوقود السائل. وتلفت دراسة معهد الشرق الأوسط إلى أن إنتاج الوقود الصلب يتطلب مواد ومعدات متخصصة، من بينها خلاطات صناعية تستخدم في تصنيع الوقود المركب، ما يجعل هذه الحلقة من سلسلة الإنتاج نقطة مهمة لفهم قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها. ولهذا فإن مراقبة مصانع الصواريخ وحدها لا تكفي؛ فالمؤشر الأكثر دلالة قد يكون في المواد والمعدات وسلسلة التوريد التي تسبق الصاروخ نفسه.
سباق المصانع.. الولايات المتحدة تواجه معادلة مختلفة
في الجهة الأخرى، لا تخوض الولايات المتحدة الحرب بمنطق «كم صاروخًا إيرانيًا يمكن تدميره؟» فقط ، هناك معادلة ثانية تتعلق بمخزون صواريخ الاعتراض والذخائر المستخدمة في الدفاع الجوي. ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS إلى أن الحروب الحديثة تفرض ما يمكن وصفه بـ«منافسة الرشقات»، حيث يصبح معدل إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة من جهة، ومعدل إعادة إنتاج وسائل الدفاع والاعتراض من جهة أخرى، جزءًا أساسيًا من نتيجة الحرب.
وهنا تظهر المفارقة: قد تنجح الولايات المتحدة في اعتراض نسبة مرتفعة من الصواريخ الإيرانية، لكن استمرار الحرب يطرح سؤالًا آخر حول قدرة الدفاعات على تعويض الصواريخ الاعتراضية التي استُهلكت ، وبذلك تصبح الحرب منافسة بين خطين للإنتاج: خط إيراني يحاول إعادة بناء القدرة الهجومية، وخط أمريكي وغربي يحاول الحفاظ على قدرة الدفاع والاعتراض.
إيران لا تحتاج إلى استعادة ترسانتها كاملة لتغيير المعادلة
العودة إلى مستوى ما قبل الحرب ليست شرطًا لكي تستعيد إيران جزءًا من قدرتها على الردع ، يكفي أن تمتلك عددًا من الصواريخ والمنصات وشبكات القيادة يمكنه إجبار الخصم على الاحتفاظ بقدرات دفاعية كبيرة وتخصيص موارد ضخمة لحماية القواعد والمنشآت والبنية التحتية. وهذا تحديدًا ما يجعل «القدرة على إعادة البناء» أكثر أهمية من العدد الإجمالي للصواريخ في لحظة معينة. وتشير دراسة IISS إلى أن تقديرات ما قبل الحرب كانت تضع القدرة الإيرانية على إنتاج الصواريخ الباليستية عند نحو 50 صاروخًا شهريًا، مع الإشارة إلى أن هذا المعدل كان أقل من احتياجات إيران إذا استمر إطلاق الصواريخ بمعدلات مرتفعة. لكن تقديرات أخرى أحدث، مثل دراسة معهد الشرق الأوسط، تشير إلى إمكانية وصول الإنتاج في فترة معينة إلى مستويات أعلى بكثير. اختلاف التقديرات نفسه يعكس صعوبة قياس القدرة الإيرانية الحقيقية في ظل المنشآت السرية والتشتت الصناعي.
لماذا أصبحت الأنفاق جزءًا من استراتيجية الإنتاج؟
إعادة الإنتاج تحت الأرض ليست مجرد وسيلة لحماية العاملين والمعدات من الغارات. ، إنها محاولة لتغيير المعادلة نفسها. فالمنشأة المكشوفة يمكن استهدافها بسهولة أكبر، بينما المنشأة الموجودة داخل شبكة أنفاق أو تحت الأرض تحتاج إلى معلومات استخباراتية دقيقة لتحديد موقعها ووظيفتها، كما أن تدمير المدخل لا يعني بالضرورة تدمير القدرة الموجودة في العمق. ولهذا تحدث تقرير «وول ستريت جورنال» عن بناء مواقع تجميع جديدة تحت الأرض، بالتزامن مع استئناف إنتاج محدود من مكونات موجودة مسبقًا.
الحرب القادمة قد تبدأ من المصانع قبل الجبهات
إذا استمرت المواجهة، فإن أحد أهم أهداف الطرفين لن يكون فقط منصات الإطلاق أو مخازن الصواريخ، وإنما الزمن الصناعي للخصم. كل يوم إضافي تمنحه الهدنة أو التوقف لإيران قد يعني إصلاح منصة، أو استعادة خط إنتاج، أو نقل مكونات، أو تجهيز منشأة بديلة. وفي المقابل، كل يوم من القتال يعني استهلاك صواريخ اعتراضية وذخائر أمريكية وغربية، ويزيد الحاجة إلى إعادة ملء المخزونات. لهذا لم تعد «فترات التوقف» مجرد مراحل سياسية بين جولات الحرب، بل أصبحت جزءًا من الحساب العسكري نفسه.
من يملك الوقت يملك الصاروخ
المعادلة الجديدة لا تقول إن إيران تستطيع إعادة بناء قوتها الصاروخية بلا حدود، ولا أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية فشلت في إضعاف برنامجها. ، لأدق أن الحرب أثبتت صعوبة تحويل الضرر المادي إلى إزالة دائمة للقدرة. فالترسانة يمكن أن تنخفض، والمنشآت يمكن أن تُضرب، وخطوط الإنتاج يمكن أن تتعطل، لكن امتلاك الخبرة والمكونات والبنية الموزعة والمنشآت البديلة يتيح للبرنامج العودة تدريجيًا. ومن هنا تتحول الحرب من مواجهة بين الصواريخ والطائرات إلى مواجهة بين القدرة على التدمير والقدرة على التعويض.
وفي هذه المعادلة، قد لا يكون الطرف الذي يمتلك أكبر مخزون هو الفائز بالضرورة؛ بل الطرف الذي يستطيع إعادة بناء قوته بسرعة أكبر من قدرة خصمه على استنزافها. وهذا هو السبب في أن استئناف إيران إنتاج الصواريخ بكميات محدودة، رغم الضربات التي طالت بنيتها العسكرية، يحمل دلالة تتجاوز عدد الصواريخ التي خرجت من خطوط التجميع: المعركة انتقلت من تدمير القوة الصاروخية إلى اختبار قدرة كل طرف على إعادة إنتاج الحرب نفسها.



