دمشق، سوريا – تضغط أيرلندا على الاتحاد الأوروبي لتبني موقف أكثر توحيداً وحزماً تجاه سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، داعية إلى توسيع نطاق العقوبات على إسرائيل. كما تدعو إلى فرض قيود على منتجات وخدمات المستوطنات. إضافة إلى ذلك، تطالب بإعادة تقييم العلاقة الاقتصادية التفضيلية التي تتمتع بها إسرائيل مع التكتل الأوروبي.
وتأتي هذه الجهود في وقت لا تزال فيه الحكومات الأوروبية منقسمة بشدة بشأن تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. وقد دفعت أيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا باتجاه تعليق الاتفاقية، إلا أن المبادرة لم تتمكن حتى الآن من حشد الدعم الكافي.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، في أبريل إن تعليق الاتفاقية لا يحظى بتأييد كافٍ بين الدول الأعضاء. في الوقت نفسه، واصلت ألمانيا وإيطاليا معارضتهما لهذه الخطوة.
ويرى وزير الدولة الأيرلندي للتنمية الدولية، نيل ريتشموند، أن على أوروبا تجاوز مجرد التعبير عن القلق. بعد ذلك، يجب أن تعمل أوروبا على تطوير استجابة منسقة تجاه توسع المستوطنات الإسرائيلية وسياسات الضم والعنف ضد الفلسطينيين.
وقال ريتشموند إن أيرلندا تعمل مع دول من بينها إسبانيا وهولندا من أجل زيادة الضغوط الاقتصادية على إسرائيل. علاوة على ذلك، يرى أن التحرك الأوروبي ينبغي ألا يقتصر على منتجات المستوطنات. بل يجب أن يمتد إلى فرض عقوبات أوسع كما يجب أن يشمل تقليص بعض الامتيازات التجارية التي تتمتع بها إسرائيل في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.
ويُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وهو ما يمنح التكتل نفوذاً اقتصادياً كبيراً. مع ذلك، يستمر الخلاف بين الدول الأعضاء بشأن ما إذا كان ينبغي استخدام هذا النفوذ وكيفية استخدامه.
ويتساءل أوروبيون عما إذا كان الاتحاد الأوروبي يمثلهم بالفعل، أم أنه مجرد امتداد لواشنطن. فالبرغم من إعلان الاتحاد دعمه للقانون الدولي وحقوق الإنسان وحل الدولتين، فإنه يواصل علاقاته الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع إسرائيل. ويعكس هذا النهج سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي ظل هذه الخلفية، أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع الدكتور رمزي بارود، الكاتب والمؤرخ والأكاديمي الفلسطيني. تناولت المقابلة الانقسامات داخل أوروبا وحدود السياسة الحالية للاتحاد الأوروبي. كما تناولت الإجراءات التي يمكن أن تفضي إلى ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل.
ستيفن صهيوني: كانت أيرلندا من بين أقوى الأصوات الأوروبية المطالبة باتخاذ إجراءات ضد إسرائيل. في المقابل، لا تزال دول أخرى في الاتحاد الأوروبي مترددة في دعم العقوبات أو تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. إلى متى يستطيع الاتحاد الأوروبي الاستمرار في التعامل مع القضية الفلسطينية من دون موقف موحد؟
د. رمزي بارود: القضية لا تتعلق فقط بتردد بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. فالكتلة الأوروبية منقسمة إلى ثلاثة معسكرات رئيسية: دول تنتقد إسرائيل واتخذت بعض الإجراءات ضدها، مثل أيرلندا وإسبانيا وبلجيكا؛ ودول لا تزال داعمة لإسرائيل بقوة، من بينها ألمانيا والنمسا وجمهورية التشيك والمجر؛ ودول لا تزال إلى حد كبير مترددة، لكنها تميل عموماً إلى دعم إسرائيل.
وبالتالي، فإن مشكلة الاتحاد الأوروبي ليست مجرد انقسام سياسي ناجم عن التردد، بل هي أيضاً انقسام أخلاقي وأيديولوجي عميق.
وللأسف، لا يزال المعسكر المؤيد لفلسطين داخل الاتحاد الأوروبي يمثل أقلية. إضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الجماعية للسياسة الخارجية الأوروبية تجعل من الصعب للغاية على هذه الدول تجاوز معارضة المعسكر المؤيد لإسرائيل. وهذا أيضاً يعرقل التوصل إلى أي توافق ذي مغزى.
ونتيجة لذلك، يستمر الجمود، وطالما استمر، فمن غير المرجح أن تتغير السياسة الأساسية للاتحاد الأوروبي تجاه إسرائيل.
ووفقاً لأحدث الأرقام الصادرة عن وزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية، على سبيل المثال، وافقت ألمانيا خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 على صادرات من المعدات العسكرية إلى إسرائيل بقيمة تقارب 930 مليون دولار.
وفي الواقع، ازداد الحجم الإجمالي للتجارة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي منذ بداية الإبادة الجماعية. فقد ارتفع من نحو 30 مليار دولار إلى 32 مليار دولار.
وبعبارة أخرى، فعلى الرغم من بيانات القلق والتهديدات المتفرقة والعقوبات المحدودة التي فرضتها بعض الدول بصورة منفردة، فإن العلاقات التجارية بين أوروبا وإسرائيل مستمرة إلى حد كبير كالمعتاد.
ستيفن صهيوني: يواصل الاتحاد الأوروبي التأكيد على التزامه بالقانون الدولي وحل الدولتين، في وقت يستمر فيه التوسع الاستيطاني والعنف ضد الفلسطينيين. هل وصل الاتحاد الأوروبي الآن إلى اختبار حاسم لمصداقيته على الساحة الدولية؟ وما الإجراءات الملموسة التي يمكن أن تثبت أن هذه المبادئ تتجاوز مجرد الخطاب السياسي؟
د. رمزي بارود: لطالما عاش الاتحاد الأوروبي داخل هذا التناقض؛ فهو يتمسك بالقانون الدولي في أقواله، بينما يسهم في الوقت نفسه في استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وفي نهاية المطاف، الإبادة الجماعية في فلسطين.
هل تغيرت أوروبا بشكل جوهري خلال السنوات الأخيرة؟ ليس فعلياً، رغم أن عدداً محدوداً من دول الاتحاد الأوروبي، وتحت ضغط شعوبها ومجتمعاتها المدنية، اتخذ خطوات رمزية لإظهار قدر أكبر من الدعم للشعب الفلسطيني.
إن الإبادة الجماعية المستمرة في غزة تمثل بالفعل الاختبار الأكبر لمصداقية الاتحاد الأوروبي. مع ذلك، كان التحرك الأوروبي غير كافٍ بصورة مروعة إذا ما قورن بما فعلته إسرائيل. فقد ارتكبت إسرائيل الإبادة المستمرة والمنهجية والموثقة على نطاق واسع لشعب في غزة.
ولذلك، يجب على المجتمع المدني تكثيف ضغوطه بدلاً من تخفيفها. كما يجب عليه ربط التحرك بشأن فلسطين بالسياسات الداخلية وأنماط التصويت في كل دولة أوروبية. عليه أيضاً استخدام كل المسارات القانونية المتاحة لمحاسبة إسرائيل، وكذلك الحكومات والشركات التي تمكّن أفعالها وتدعمها.
وعلى الرغم من أن أيرلندا وإسبانيا، على وجه الخصوص، أظهرتا شجاعة أكبر بكثير من دول أوروبية أخرى، فإن الاستمرار في التأكيد على ضرورة اتخاذ قرار جماعي على مستوى الاتحاد الأوروبي لم يعد كافياً.
وفي حين لا يتوقع أحد واقعياً أن تغادر هذه الدول التكتل الأوروبي بسبب غزة، فإنه يتعين عليها تحديد وتفعيل كل آلية قانونية وسياسية متاحة للضغط على ألمانيا وغيرها من حلفاء إسرائيل الأوروبيين. يجب دفعهم إلى التراجع عن مواقفهم.
وبالتالي، تقع على عاتق الحكومات المؤيدة لفلسطين مسؤولية لا يمكنها تجاهلها. إذ يجب عليها استخدام كل الآليات المتاحة بموجب قوانينها الوطنية لمحاسبة إسرائيل، بما في ذلك إنهاء التعاون العسكري. ينبغي أيضاً فرض العقوبات، وقطع العلاقات مع النظام الذي يرتكب الإبادة الجماعية في تل أبيب.
ستيفن صهيوني: في ضوء حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، هل يعتقد الاتحاد الأوروبي أن الضغوط التي مارسها حتى الآن كانت كافية؟ وإذا لم تكن كذلك، فما الخطوة الأكثر جدية التي يمكن أن يتخذها الاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة لإجبار إسرائيل على الامتثال للقانون الدولي؟
د. رمزي بارود: من الواضح أن الضغوط التي مارسها الاتحاد الأوروبي لم تكن كافية. فبيانات القلق والإجراءات الرمزية والعقوبات المحدودة لم توقف الإبادة الجماعية في غزة، ولم تضع حداً للانتهاكات الإسرائيلية المنهجية للقانون الدولي.
وستكون الخطوة الأكثر تأثيراً هي التعليق الفوري لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، بالتزامن مع فرض حظر شامل على الأسلحة. كما يجب فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية فعلية.
كما ينبغي جعل وصول إسرائيل التفضيلي إلى الأسواق الأوروبية مشروطاً بامتثالها للقانون الدولي.
ويمتلك الاتحاد الأوروبي نفوذاً اقتصادياً وسياسياً هائلاً على إسرائيل، لكنه رفض مراراً استخدامه. إذا واصلت أوروبا تجارتها مع إسرائيل وتزويدها بالأسلحة وتوفير الحماية الدبلوماسية لها، بينما تكتفي بالتعبير عن القلق إزاء معاناة الفلسطينيين، فإن التزامها المعلن بالقانون الدولي لن يتجاوز كونه مجرد خطاب سياسي.


