واشنطن ، الولايات المتحدة – في تصعيد سياسي وإعلامي غير مسبوق، رسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطاً فاصلاً بين حسابات الاقتصاد الداخلي والأمن القومي الاستراتيجي. وقد أكد أن الصعوبات المالية التي يواجهها المواطنون الأمريكيون نتيجة الصراع المتفاقم مع طهران لن تثنيه عن مواصلة استراتيجيته لتفكيك البرنامج النووي الإيراني.
وفي خطاب اتسم بالحدة، لم يكتفِ ترامب بتجاهل الأنين الاقتصادي للشارع. بل شن هجوماً عنيفاً على وسائل الإعلام المحلية، متهماً إياها بـ”الخيانة العظمى”.
“الأمن القومي فوق لقمة العيش”
قبيل مغادرته البيت الأبيض في رحلة رسمية متجهة إلى الصين، أدلى الرئيس ترامب بتصريحات قطعت الشك باليقين حول أولوياته الراهنة. فعندما سُئل عما إذا كان يأخذ الأوضاع المعيشية المتدهورة للأمريكيين بعين الاعتبار في مفاوضاته لإنهاء الصراع، جاء رده صادماً للكثيرين بقوله: “ولا حتى قليلاً”.
وتابع ترامب موضحاً فلسفته الصارمة في إدارة الأزمة: “الشيء الوحيد المهم عندما أتحدث عن إيران هو أنه لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي. لا أفكر في الوضع المالي لأمريكا، ولا أفكر في أحد. أفكر في شيء واحد فقط: منعهم من السلاح النووي، هذا هو المحفز الوحيد لي”.
وفي تصريحات نقلتها شبكة “CBS News”، قلل ترامب من أهمية التقلبات الحادة في “وول ستريت”. واعتبر أن أمن الولايات المتحدة والعالم يسبق المؤشرات المالية، قائلاً: “الأمر الأهم بكثير، بما في ذلك ما إذا كان سوق الأسهم يرتفع أو ينخفض قليلاً، هو ألا تحصل إيران على سلاح نووي”.
اقتصاد الحرب: تضخم وأسعار وقود ملتهبة
تأتي هذه المواقف الرئاسية في وقت حساس للغاية، حيث يعيش المواطن الأمريكي ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة منذ عقود. فمع استمرار الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز — الشريان الحيوي للطاقة عالمياً — قفزت أسعار الوقود لمستويات قياسية، ما دفع معدلات التضخم للارتفاع.
وبحسب استطلاع رأي حديث أجرته “CBS News/YouGov”، أكد 51% من الأمريكيين أن الارتفاع الجنوني في أسعار البنزين يسبب لهم مشقة مالية حقيقية تهدد استقرار عائلاتهم.
وتشير البيانات الاقتصادية لشهر أبريل إلى وصول التضخم لمعدل 3.8% سنوياً. فيما يبلغ متوسط سعر غالون البنزين حالياً 4.50 دولار. هناك تحذيرات اقتصادية قاتمة من وصوله إلى عتبة 5 دولارات بحلول يونيو المقبل إذا لم تُفتح الممرات الملاحية في الخليج.
ميزانية البنتاغون.. نزيف المليارات
على الصعيد العسكري، لم تكن الأرقام أقل وطأة؛ إذ كشف مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية عن قفزة هائلة في تكلفة العمليات العسكرية ضد إيران. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، ارتفعت التقديرات التراكمية للحرب إلى 29 مليار دولار. وقد زادت التكاليف نحو 4 مليارات دولار خلال أسبوعين فقط.
وصرح “جاي هيرست”، المراقب المالي للبنتاغون، بأن هذا الارتفاع المفاجئ يعود إلى “تكاليف إصلاح واستبدال المعدات المُحدّثة، بالإضافة إلى التكاليف التشغيلية الميدانية المتزايدة”.
هذا النزيف المالي وضع وزير الدفاع “بيت هيغسيث” في مواجهة مباشرة مع المشرعين في الكابيتول. هؤلاء يطالبون بشفافية أكبر حول كيفية تمويل هذه الحرب من خارج الميزانية الأساسية للدولة.
“خيانة عظمى”.. ترامب يهاجم الإعلام
وفي موازاة الحرب العسكرية والاقتصادية، فجر ترامب قنبلة سياسية عبر منصته “تروث سوشيال”، متهماً وسائل إعلام أمريكية بـ”الخيانة العظمى”. وجاء غضب ترامب رداً على تقارير شككت في فعالية الضربات الأمريكية وأشارت إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بقوة عسكرية مؤثرة.
وقال ترامب بلهجة حادة: “عندما تزعم وسائل الإعلام الكاذبة أن العدو الإيراني يحقق تقدماً عسكرياً ضدنا، فهذا يُعدّ خيانة عظمى وادعاءً مثيراً للسخرية؛ إنهم يمنحون إيران أملاً زائفاً ويُحرضون العدو ضد بلادنا”.
وأضاف مستعرضاً ما اعتبره انتصاراً ساحقاً: “كان لدى إيران 159 سفينة في أسطولها البحري، والآن ترقد جميعها في قاع البحر. قوتهم الجوية مُدمرة، وتقنياتهم مُندثرة، وقادتهم لم يعودوا بيننا”.
واختتم ترامب هجومه بالتأكيد على أن إيران تعيش “كارثة اقتصادية” شاملة. كما وصف منتقدي السياسة الأمريكية في الداخل بـ”الخاسرين والجاحدين والحمقى”. بهذا وضع البلاد أمام معادلة صفرية: إما النصر الكامل على الطموح النووي الإيراني، أو تحمل التبعات الاقتصادية القاسية مهما طال أمدها.


