طهران، إيران- في خطوة تعكس حالة الاستنفار القصوى والخشية من اختراق الجبهة الداخلية إعلامياً، وجهت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيرانية رسالة شديدة اللهجة إلى ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية المعتمدين داخل البلاد.
الرسالة، التي تأتي في أوج المواجهة العسكرية المفتوحة، لم تكن مجرد تذكير بروتوكولي. بل تضمنت سلسلة من “القيود والمتطلبات الصارمة” التي ترسم حدوداً ضيقة لما يمكن تسميته بالتغطية الصحفية في “ظروف الحرب”.
قائمة المحظورات: التعتيم على “نتائج الضربات”
استندت الوزارة في رسالتها إلى توجيه سابق صدر في فبراير، يتعلق بـ “حظر نشر المعلومات أثناء الحرب”. وبموجب الإعلان الجديد، يحظر تماماً نشر أي صور، سواء كانت مسجلة أو عبر البث المباشر، تتضمن معلومات مفصلة عن المواقع التي استهدفتها الهجمات المعادية داخل الأراضي الإيرانية.
ولم يتوقف الحظر عند هذا الحد. بل شمل منعاً باتاً لمراقبة أو تصوير صواريخ العدو، أو رصد المراكز الهجومية الإيرانية، أو حتى مواقع إطلاق الصواريخ واعتراضها. وشددت على أن أي معلومة من هذا القبيل تتطلب “موافقة مسبقة من هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة”.
هذا القيد يهدف بوضوح إلى منع العدو من إجراء “تقييم لنتائج الضربات” (Batte Damage Assessment) عبر التقارير الإخبارية المتاحة للجمهور.
الحرب النفسية وصورة “القائد والمؤسسة”
تطرقت الرسالة إلى جانب أكثر حساسية يتعلق بالرأي العام والروح المعنوية، حيث منعت وسائل الإعلام من نشر أي أخبار أو تقارير تشير إلى “قوة العدو”، أو أي محتوى قد يؤدي إلى “إضعاف صورة البلاد”. واعتبرت الوزارة أن معالجة القضايا التي تثير القلق أو “تحرض الرأي العام” تعد مخالفة صريحة للتعليمات.
وفي حماية مباشرة للمنظومة العسكرية، حظر الإعلان أي مادة صحفية قد تؤدي إلى “إضعاف أو إلحاق الضرر بقادة ومؤسسات الجيش والأمن”.
هذا البند يضع الصحفيين الأجانب أمام مقصلة قانونية. في الواقع، يمكن تفسير أي انتقاد للأداء العسكري أو الأمني على أنه تهديد للأمن القومي في زمن الحرب.
احتكار الإحصائيات: لا أرقام إلا من “المتحدث الرسمي”
فيما يتعلق بالخسائر البشرية والمادية، ألزمت السلطات الإيرانية المراسلين الأجانب—بمن فيهم فرق الشبكات الدولية مثل CNN التي يتواجد مراسلها فريدريك بليتجن وفريقه حالياً في طهران—بعدم تقديم أي إحصاءات حول القتلى أو الجرحى، سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، إلا إذا صدرت رسمياً عن “المتحدث المعين لكل إدارة”.
وتختتم الرسالة بمطالبة وسائل الإعلام بضرورة تجاهل ما أسمته “الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة”. في إشارة إلى ضرورة الاعتماد الكلي على الرواية الرسمية للدولة.
خلفية القمع وسياق “التدفق الحر”
يرى مراقبون وحقوقيون أن هذه الإجراءات تندرج ضمن سياسة ممنهجة لقمع وسائل الإعلام وتقييد التدفق الحر للمعلومات. فالتاريخ الإيراني حافل بمثل هذه الإجراءات؛ إذ يذكرنا هذا المشهد بما حدث عقب احتجاجات عام 2009، حين أقدمت السلطات على اعتقال معظم الصحفيين الأجانب أو طردهم من البلاد لضمان السيطرة على الرواية الميدانية.
تأتي هذه القيود في وقت حساس تشهده المنطقة. حيث تزداد حدة الصراع الإقليمي الذي يضع إيران في مواجهة مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وبينما تسعى الشبكات الدولية للوصول إلى العاصمة طهران لنقل صورة ما يجري، يبدو أن “وزارة الإرشاد” قد وضعت بالفعل الأسلاك الشائكة حول الكاميرات وأقلام المراسلين. هكذا حوّلت الصحافة من “سلطة رابعة” إلى أداة لخدمة “المجهود الحربي” للدولة، أو صمتٍ مطبق ينتظر الموافقة الأمنية.

