باريس، فرنسا– في مشهد يختصر مسارا قضائيا شائكا ومضطربا امتد لأكثر من ثماني سنوات، يمثل المفكر السويسري طارق رمضان، حفيد مؤسس جماعة “الإخوان المسلمين” حسن البنا، اعتبارا من الثاني وحتى السابع والعشرين من مارس المقبل أمام المحكمة الجنائية في باريس.
وتأتي هذه المحاكمة لتضع حدا لسنوات من الترقب القانوني والإعلامي في قضية هزت أركان النخبة الفكرية والدينية في أوروبا.
اتهامات “العنف الصريح” وعقوبة قد تصل لـ20 عاما
يواجه رمضان (63 عاما) اتهامات بالغة الخطورة تتمحور حول اغتصاب ثلاث نساء في فرنسا بين عامي 2009 و2016. وبحسب التقارير القانونية، فإن الإدانة في هذه التهم قد تقود رمضان إلى قضاء عقوبة تصل إلى السجن لمدة عشرين عاما، وهي العقوبة القصوى لمثل هذه الجنايات في القانون الفرنسي.
وتعود جذور القضية إلى عام 2017، عندما أشعلت الناشطة هندة عياري فتيل الفضيحة بإيداع أول شكوى رسمية، تلتها شكاوى من “كريستيل” (اسم مستعار) وامرأة ثالثة. ورغم نفي رمضان الأولي، إلا أنه تراجع في منتصف عام 2018 ليقر بوجود علاقات خارج إطار الزواج، واصفا إياها بـ”علاقات هيمنة” تمت برضا الطرفين، وهو ما تنفيه المدعيات جملة وتفصيلا.
تفاصيل صادمة وطلبات بجلسات سرية
رصد قضاة التحقيق في قرار الإحالة شهادات مؤلمة للضحايا، وصفن فيها ما تعرضن له من “إكراه بدني وعنف صريح”، شمل “تقييد الحركة، واستخدام ثقل الجسد للإخضاع، وإلقاء أوامر مهينة”.
وفي خطوة لضمان حماية المدعيات، أعلنت محاميتا الضحية “كريستيل” أن موكلتهما ستطلب عقد الجلسات بشكل سري (مغلق)، لتفادي الضغوط والتحرش الذي واجهته خلال فترة التحقيق، خاصة وأن المتهم قام بالكشف عن هويتها علنا في مناسبات سابقة.
وأكد فريق الدفاع عن الضحايا أن هذه المحاكمة تمثل “لحظة جوهرية طال انتظارها” بعد أكثر من 16 عاما على وقوع بعض الوقائع المزعومة.
دفاع رمضان: “تصلب عصبي” ومناورات إجرائية
في المقابل، لم يتوقف فريق الدفاع عن طارق رمضان عن تقديم الطعون والمناورات القانونية لعرقلة المسار الجنائي. واحتج محاموه بأن موكلهم يعاني من مرض “التصلب العصبي المتعدد”، زاعمين أن حالته الصحية لا تسمح له بالمثول أمام القضاء دون خطر على حياته. كما انتقد الدفاع ما وصفه بـ”إصرار السلطة القضائية” على المضي قدما في المحاكمة، معتبرين أن ذلك لا يضمن “محاكمة عادلة” في ظل تجاهل طلباتهم بإضافة عناصر جديدة للملف.
ملاحقات عابرة للحدود وقرار استئناف مفصلي
لا تتوقف متاعب رمضان عند الحدود الفرنسية؛ ففي سويسرا، صدر بحقه حكم استئنافي في سبتمبر 2024 بالسجن ثلاث سنوات (سنة واحدة نافذة) بتهمة اغتصاب امرأة في جنيف عام 2008.
واللافت في مسار القضية الفرنسية هو قرار محكمة الاستئناف بإسقاط مفهوم “السيطرة النفسية” الذي طبع مراحل التحقيق الأولى، حيث اعتبرت المحكمة أنه لا يمكن الاعتماد عليه وحده لإثبات الحرمان من الإرادة. وبدلا من ذلك، ركزت المحكمة على إثبات “العنف المادي الصريح” الذي أجمعت الضحايا على وصفه بدقة.
بينما يتأهب القضاء الفرنسي لفتح هذا الملف الشائك، يجد طارق رمضان نفسه وحيدا أمام منصة الحكم، في مواجهة لا تهدف فقط إلى تبرئته أو إدانته، بل تمثل مواجهة مع “إرث فكري ورمزي” تهاوى تحت وطأة اتهامات جنائية ثقيلة. هل ستكون جلسات مارس هي الكلمة الأخيرة في قصة “المرجع الفكري” الذي تحول إلى “متهم جنائي”؟ الرأي العام الدولي يترقب الإجابة.


