أوروبا – في ظل التحولات المتسارعة على الساحة الدولية، تعود سياسة فرض النفوذ الأمريكية إلى الواجهة بقوة. بعد ذلك، كشفت أزمة فنزويلا عن وجه جديد ـ قديم ـ من الضغوط السياسية والاقتصادية. جاء هذا تزامنًا مع تصريحات وتهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جزيرة جرينلاند. مما أعاد للأذهان منطق السيطرة وإعادة رسم مناطق النفوذ.
أزمة فنزويلا لم تكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل نموذجًا واضحًا لكيفية إدارة واشنطن لصراعاتها الخارجية. لقد كان عبر العقوبات الاقتصادية الخانقة، والحصار السياسي، وصولًا إلى التلويح المستمر بالخيار العسكري. كل ذلك كان في سبيل حماية المصالح الاستراتيجية، وعلى رأسها الطاقة والنفوذ في أمريكا اللاتينية.
أما ملف جرينلاند، الذي أثار جدلًا واسعًا في أوروبا، فقد كشف عن عقلية سياسية لا ترى في السيادة سوى تفصيل يمكن تجاوزه إذا تعارض مع المصالح الكبرى. الجزيرة، التابعة للدنمارك، تتمتع بموقع استراتيجي بالغ الحساسية. ولديها ثروات طبيعية واعدة، مما يجعلها نقطة جذب في صراع القوى الكبرى، خاصة مع تصاعد التنافس الدولي في القطب الشمالي.
هذه الوقائع تفتح باب التساؤل حول مستقبل أوروبا نفسها: هل يمكن أن تتحول القارة العجوز إلى ساحة ضغوط أمريكية متزايدة؟ خاصة مع الخلافات المتكررة حول تقاسم أعباء الدفاع داخل حلف الناتو. توجد أيضًا الضغوط لرفع الإنفاق العسكري، إلى جانب التباينات الحادة بشأن ملفات الطاقة والعلاقات مع روسيا والصين.
ويرى محللون أن أوروبا، رغم ثقلها الاقتصادي والسياسي، ليست بمنأى عن هذا النوع من الضغوط. وإن كانت بعيدة عن سيناريو التدخل المباشر كما في فنزويلا. إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في تقليص هامش القرار المستقل. كما يكمن في دفع العواصم الأوروبية إلى الاصطفاف الكامل خلف الرؤية الأمريكية في القضايا الدولية الحساسة.
في المقابل، تحاول بعض الدول الأوروبية الدفع نحو مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”. كما تحاول بناء قدرة ذاتية في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية. غير أن هذه المساعي تصطدم بخلافات داخلية عميقة، واعتماد تاريخي طويل على المظلة الأمنية الأمريكية.
في النهاية، تبدو أوروبا أمام مفترق طرق حاسم. يمكنها إما تعزيز وحدتها وتحصين قرارها السياسي، أو الاستمرار في موقع المتلقي للضغوط. هذا يحدث في عالم لم يعد يعترف إلا بلغة القوة والمصالح، مهما تغيرت العناوين والشعارات.


