القاهرة، مصر – مع إعلان وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول 2023، ظهرت مؤشرات على تباين في المواقف ضمن ما يعرف بـ”الثنائي الشيعي”. هذا الثنائي مكوّن من حزب الله وحركة أمل، الممثلين الأبرز للطائفة الشيعية في لبنان. لقد لعب هذا التحالف السياسي الراسخ دوراً محورياً في رسم خريطة حضور الشيعة في النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية.
الحرب الأخيرة خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، خاصة في الضاحية الجنوبية لبيروت والقرى الحدوية بالجنوب. كما أسفرت عن اغتيال عدد كبير من قيادات حزب الله، بما في ذلك الأمين العام السابق حسن نصر الله. هذا ما عزز من دور رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، في تحديد مسار الطائفة الشيعية على الصعيد السياسي.
قاد بري مفاوضات وقف إطلاق النار. وبدأ لقاءات مع مبعوثي الإدارة الأمريكية لاستكشاف إمكانية تطبيق ما يُعرف بـ”الورقة الأمريكية”. تعتبر هذه الورقة نقطة انطلاق لمناقشة نزع سلاح حزب الله تدريجياً.
جذور التحالف
تعود العلاقة بين الطرفين إلى الثمانينيات، إذ نشأ حزب الله من رحم حركة أمل. وقد أسسها الإمام موسى الصدر عام 1974. شهدت العلاقة فترات من التوتر والمواجهة المسلحة، كما في “حرب المخيمات” (1985–1988) و”حرب الإقليم” في الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان. لكنها ظلّت مرتبطة بخط مشترك ضد الاحتلال الإسرائيلي.
مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وتوقيع اتفاق الطائف، جرى تحقيق نوع من التوازن. استمرت حركة أمل في إدارة العلاقة مع الدولة بينما تولى حزب الله الدور الدفاعي والعسكري والإقليمي. شكلت حرب 2006 مع إسرائيل لحظة محورية. إذ تبلور ما يعرف بـ”الثنائي الشيعي”، بتحالف سياسي وأمني ثابت. على رغم وجود تباينات تكتيكية بين الطرفين في الانتخابات والحكومات.
خلاف أم اختلاف تكتيكي؟
الاختلاف الحالي يتمثل في طريقة التعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير. نص الاتفاق على انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ونشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، ومعالجة ملف الأسرى والمفقودين وضبط المعابر الحدودية. رغم الاتفاق، استمرت خروقات إسرائيلية شبه يومية. دفع ذلك حزب الله للتشديد على أن الاتفاق بلا قيمة دون تطبيق فعلي. بينما يرى بري أن الورقة الأمريكية يمكن أن تكون قاعدة للنقاش مستقبلاً، مع الحفاظ على “كرامة المقاومة”.
الصحافي اللبناني إبراهيم بيرم يرى أن الاستراتيجية الكبرى بين الحزب والحركة لم تتغير: حماية خط الدفاع جنوباً وتفادي الانقسام داخل الطائفة الشيعية مع إبقاء التفاوض تحت إدارة بري من عين التينة.
الشارع الشيعي: بين الولاء والنقد
القاعدة الشعبية للحزبين متشابكة اجتماعياً. حيث قد تجد أفراداً من نفس العائلة يؤيدون الحزبين معاً؛ ما يجعل الفصل بين جمهورهما صعباً. النقاش حول السلاح يتجاوز الانتماء الحزبي ليصبح مسألة وجدانية مرتبطة بالهوية والذاكرة الجماعية.
في المقابل، ظهرت شرائح نقدية، خاصة بعد الأزمة المالية اللبنانية عام 2019، تنتقد أداء الحزبين في الملفات الداخلية. لكنها لا تنكر دورهما في حماية الحدود. الباحث فؤاد خريس يشير إلى أن اللبنانيين يتكاتفون في أزمات كبيرة، متجاوزين الانقسام الطائفي. لكنهم يطالبون بحلول اقتصادية واجتماعية عاجلة.
تحالف قائم على المصالح المشتركة
تحالف حزب الله وحركة أمل ليس مجرد تحالف انتخابي، بل هو توازن مصالح وهويات وتكاتف أمني تراكم على مدى أربعة عقود. على الرغم من ظهور التناقضات الخطابية أحياناً، يبقى الجوهر واحداً: حماية السلاح ضمن سردية “الدفاع الوطني”. كذلك السير في تفاوض سياسي محسوب، مع مواجهة تحديات الحكم والخدمات والاقتصاد للحفاظ على ثقة الجمهور.
في النهاية، يُظهر الواقع اللبناني أن “الثنائي الشيعي” يواجه امتحاناً مزدوجاً. يتمثل الامتحان في حماية الحدود من إسرائيل وضمان كرامة المواطن في حياته اليومية وسط أزمة اقتصادية واجتماعية مستمرة.



