بعد عقود طويلة من رحيله، لا يزال “الصوت” الذي أسر الملايين، فرانك سيناترا، رمزاً للموسيقى الأمريكية وقطباً للجدل في آن واحد. ومع انطلاق المسرحية الموسيقية الجديدة “Sinatra the Musical” في لندن، قررت تينا سيناترا، ابنة الفنان الراحل، كسر حاجز الصمت. لذلك تقدم رؤية شفافة ومعقدة لوالدها، بعيداً عن التجميل الذي تفرضه سِيَر المشاهير التقليدية.
مواجهة الحقيقة: لا تجميل في السيرة
ترفض تينا سيناترا، التي تتولى إدارة تركة والدها الفنية، تحويل مسيرته إلى قصة مثالية خالية من العيوب. تؤكد تينا أن ذلك سيكون خطأً فادحاً، مشددة على أن “حقيقته تكمن في موسيقاه، ولا ينبغي لنا إنكارها”.
يركز العمل المسرحي على أصعب فصول حياته في الخمسينيات، حينما تلاشت نجوميته تحت وطأة ضغوط الصحافة وتخلي شركات الإنتاج عنه. كما يلقي الضوء على حياته الشخصية الممزقة بين زواجه من نانسي وحبه العاصف للنجمة آفا غاردنر. تتذكر تينا بمرارة كلمات شقيقها فرانك جونيور في طفولتها، التي حملتها مسؤولية رحيل الأب. لكنها اليوم تدرك أن تلك الصراعات، من إدمان الكحول إلى الأزمات العاطفية، هي التي صقلت هذا العمق العاطفي الفريد في صوته.
“لم أكن يوماً أشعر بالحرج من الحقيقة”
في مسألة لطالما أثارت تساؤلات الملايين، وهي علاقة سيناترا برجال العصابات، جاء رد تينا صادماً ومباشراً: “والدي كان يعرف الكثير من رجال العصابات، ولا أشعر بالحرج من قول ذلك لأنها الحقيقة”.
تضع تينا هذه العلاقات في سياقها التاريخي والاجتماعي، مشيرة إلى أن نشأته في أحياء إيطالية فقيرة فرضت عليه واقعاً حيث كانت الولاءات بين “أبناء الجالية” أمراً حتمياً. أما حول القصص الأسطورية المرتبطة بتدخل المافيا لفسخ عقود أو التأثير على مسيرته، فتكتفي تينا بالتعليق بابتسامة دون نفي. كما تؤكد أن حضوره كان يفرض هيبة حقيقية حتى في المطاعم والأماكن العامة، حيث كان الناس يرتجفون لمجرد دخوله.
في عصر “ثقافة الإلغاء”
طرحت المقابلة تساؤلاً حول قدرة سيناترا على النجاة في عصرنا الحالي. تعتقد تينا أن والدها كان “هدفاً” دائماً للصحافة منذ الأربعينيات، وأنهم كانوا يتعمدون استفزازه. وعند سؤالها عن “ثقافة الإلغاء” (Cancel Culture)، أجابت بثقة: “أعتقد أنه من المستحيل عليهم إلغاؤه”.
في الوقت نفسه، مارست تينا دور المدافع الشرس في قضايا العنف ضد المرأة التي لاحقت والدها، واصفة القصة الشهيرة عن دفعه لامرأة من نافذة بأنها رواية “محرّفة” تماماً. وتؤكد أنه كان أول من بادر بنقلها للمستشفى بعد حادث عرضي.
صراعات عائلية ومستقبل رقمي
لم تغفل تينا توجيه انتقادات حادة لزوجة والدها الرابعة، باربرا ماركس، متهمة إياها بعزل والدها عن عائلته في سنواته الأخيرة وإجباره على العمل رغم تدهور صحته. كما حسمت الشائعات حول هوية “رونان فارو”، واصفة إياها بـ “المزحة السخيفة” والمستحيلة بيولوجياً بسبب إجراء طبي خضع له والدها.
تتطلع تينا اليوم إلى المستقبل بذهن متفتح، مستخدمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لإحياء “رات باك” في عروض رقمية ضخمة. وتؤكد أيضاً أن “الخوف من التكنولوجيا لا يفيد”. وتختتم ذكرياتها بليلة سألت فيها والدها عما إذا كان يظن أن موسيقاه ستخلد، فأجاب ببساطة: “لا أعرف.. أتمنى ذلك”. واليوم، يبدو أن أمنيته تحققت؛ ليس فقط في النغمات التي تتردد في كل مكان، بل من خلال ابنة لا تزال تدافع عن “حقيقته”، بكل ما فيها من شوائب وعبقرية.


