روما، إيطاليا – يعد الجيتو اليهودي في روما واحدًا من أبرز الشواهد التاريخية على فترات التمييز الديني في أوروبا، بعدما صدر مرسوم بابوي في القرن السادس عشر يقضي بعزل اليهود داخل حي مغلق، وفرض قيود صارمة على حياتهم اليومية، في خطوة تركت آثارًا استمرت لقرون.
وأصبح مصطلح “الجيتو” لاحقًا يستخدم للإشارة إلى الأحياء التي يجبر فيها أفراد جماعة معينة على الإقامة بشكل منفصل، قبل أن يكتسب شهرة واسعة خلال الحرب العالمية الثانية مع إنشاء الأحياء اليهودية في عدد من المدن الأوروبية.
مرسوم بابوي غيّر حياة اليهود
في عام 1555، أصدر البابا بولس الرابع مرسومًا بابويًا عرف باسم “Cum nimis absurdum”، نص على فرض قيود واسعة على اليهود في الولايات البابوية، كان أبرزها إلزامهم بالإقامة داخل حي مغلق في مدينة روما.
وجاء القرار في إطار سياسة هدفت إلى الحد من اندماج اليهود في المجتمع المسيحي، وفرض رقابة أكبر على أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية.
وأقيم الجيتو في منطقة قريبة من نهر التيبر، وأحيط بأسوار وبوابات كانت تغلق ليلًا وتفتح نهارًا، ولم يكن يسمح لسكانه بمغادرته خلال ساعات الليل إلا في حالات استثنائية.
ومع مرور الوقت، أدى تزايد عدد السكان داخل مساحة محدودة إلى ازدحام شديد، ما جعل ظروف المعيشة داخل الجيتو صعبة، خاصة مع الفيضانات المتكررة التي كانت تضرب المنطقة.

فرض قيود ونهاية الجيتو
فرضت السلطات البابوية على اليهود ارتداء علامات أو أغطية رأس مميزة للتعرف عليهم، كما قيدت المهن التي يمكنهم العمل بها، ومنعوا من تملك كثير من العقارات أو شغل مناصب عامة.
ورغم هذه القيود، تمكنت الجالية اليهودية من الحفاظ على مؤسساتها الدينية والتعليمية، واستمرت في ممارسة أنشطتها التجارية والحرفية ضمن الحدود التي سمحت بها القوانين آنذاك.
شهد الجيتو أول انفراجة عام 1798 مع دخول القوات الفرنسية إلى روما خلال الحروب النابليونية، حيث ألغيت بعض القيود مؤقتًا، لكنها عادت بعد انسحاب الفرنسيين.
وانتهى نظام الجيتو بشكل نهائي عام 1870، عقب ضم روما إلى المملكة الإيطالية، لتُزال الأسوار والبوابات، ويحصل اليهود على حقوق مدنية مساوية لبقية المواطنين.
من العزل إلى الذاكرة التاريخية
تحول الجيتو اليهودي في روما مع مرور الزمن إلى أحد المواقع التاريخية المهمة في العاصمة الإيطالية، إذ لا تزال بعض شوارعه ومبانيه ومعابده شاهدة على مرحلة طويلة من تاريخ المدينة.
كما يضم الحي اليوم متحفًا ومواقع تراثية توثق حياة الجالية اليهودية في روما، التي تعد من أقدم الجاليات اليهودية في أوروبا، ويستقبل آلاف الزوار سنويًا للتعرف على تلك الحقبة التاريخية.
ويمثل الجيتو اليهودي في روما صفحة معقدة من التاريخ الأوروبي، إذ يجسد مرحلة امتزجت فيها الاعتبارات الدينية بالسياسات الاجتماعية، قبل أن تتغير الأوضاع تدريجيًا مع تطور مفاهيم المواطنة والحقوق المدنية.
ولا يزال هذا الحي يستحضر اليوم بوصفه تذكيرًا بأهمية حماية الحريات الدينية ورفض التمييز، والحفاظ على التعايش واحترام التنوع داخل المجتمعات.


