في مسعى علمي لمواجهة التداعيات المناخية المتزايدة، كشفت دراسة حديثة عن إمكانية استخدام تقنية “تفتيح السحب البحرية” كأداة محتملة للحد من التأثيرات القاسية لظاهرة “النينيو”. تعتمد الفكرة على زيادة قدرة السحب فوق المحيطات على عكس أشعة الشمس، مما يؤدي إلى خفض درجات حرارة سطح المياه. وهي خطوة يراها الباحثون واعدة، رغم تأكيدهم على ضرورة التروي وإجراء المزيد من الأبحاث قبل إقرارها كحل استراتيجي.
ظاهرة النينيو: اضطراب عالمي متكرر
تُعد “النينيو” من أكثر الظواهر المناخية تأثيراً على استقرار كوكب الأرض. حيث تنجم عن ارتفاع غير اعتيادي في درجات حرارة المياه السطحية بالمحيط الهادئ الاستوائي. هذا الارتفاع يؤدي إلى اضطرابات مناخية واسعة النطاق تتراوح بين موجات الحر والجفاف في مناطق، وفيضانات وأمطار غزيرة في مناطق أخرى. لذلك يلقي بظلال قاتمة على قطاعات الزراعة والأمن الغذائي والموارد المائية عالمياً.
محاكاة تقنية: كيف يتم “تفتيح” السحب؟
اعتمد الباحثون في دراستهم على نماذج مناخية متطورة لمحاكاة تأثير زيادة انعكاس الأشعة الشمسية بواسطة السحب. تقوم التقنية على ضخ جزيئات دقيقة جداً من رذاذ مياه البحر إلى الغلاف الجوي. حيث تعمل هذه الجزيئات كأنوية لتكوين قطرات سحابية أصغر وأكثر عدداً. هذا التغير الفيزيائي يجعل السحب أكثر سطوعاً وبياضاً، مما يزيد من قدرتها على عكس الإشعاع الشمسي بعيداً عن سطح الأرض. وبالتالي يساعد نظرياً في تبريد المياه السطحية.
نتائج واعدة ومحدودية التأثير
أشارت نتائج المحاكاة إلى أن هذه التقنية قد تسهم فعلياً في تقليل الاحترار بمياه المحيط خلال مراحل محددة من ظاهرة النينيو. وهذا قد يخفف من حدة الظواهر الجوية المتطرفة المرتبطة بها. ومع ذلك، شدد القائمون على الدراسة على أن هذا التأثير يظل “محدوداً” ومرهوناً بمتغيرات دقيقة، منها توقيت التطبيق، مدته، والموقع الجغرافي المستهدف للعملية. لذا يجعلها أداة مساعدة وليست حلاً سحرياً.
تحذيرات من “الهندسة الجيولوجية”
وفي المقابل، أثار هذا التوجه حفيظة عدد من العلماء الذين حذروا من المخاطر المرتبطة بتقنيات “الهندسة الجيولوجية للمناخ”. وأكدوا أن التلاعب بخصائص السحب قد يحمل آثاراً جانبية غير متوقعة على أنماط الأمطار، اتجاهات الرياح، والنظم البيئية الدقيقة. علاوة على ذلك شددوا على أن أي تطبيق واسع النطاق لهذه التقنيات يجب أن يسبقه تقييم علمي دقيق وإطار قانوني دولي ينظم عملياتها لمنع حدوث خلل مناخي إقليمي غير مقصود.
مكمل لا بديل عن خفض الانبعاثات
يؤكد خبراء المناخ أن مثل هذه الأبحاث لا تمثل بأي حال من الأحوال بديلاً عن الجهود الدولية لخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. بل ينظر إليها كأدوات “مواجهة طوارئ” قد تساهم في تخفيف بعض التداعيات المناخية مستقبلاً، شريطة إثبات فعاليتها وسلامتها البيئية عبر تجارب علمية مكثفة. تأتي هذه الدراسة في وقت تتكثف فيه الجهود العالمية للبحث عن حلول ابتكارية للتعامل مع الظواهر المناخية المتطرفة. مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتفاقم تأثيرات التغير المناخي.


