حذر تقرير اقتصادي حديث صادر عن بنك “سيتي” من أن الاقتصاد الصيني شهد تباطؤاً ملحوظاً خلال الربع الثاني من عام 2026، نتيجة لما وصفه بـ”التقشف المالي الفعلي”. ويأتي هذا التباطؤ في وقت قدمت فيه الحكومتان المركزية والمحلية دعماً مالياً أقل من المتوقع. وهذا ما يتناقض مع التوجهات السياسية المعلنة من قِبل بكين لتعزيز وتيرة النمو الاقتصادي ومواجهة التحديات الهيكلية الحالية.
آليات “التقشف الفعلي” وضغوط الإنفاق
أوضح التقرير أن حالة “التقشف المالي الفعلي” تحدث عندما تصبح السياسة المالية العامة أقل دعماً للنمو. كما يحدث ذلك دون وجود إعلان رسمي أو مباشر من الحكومة عن خفض الإنفاق. وتعود هذه الظاهرة إلى ارتفاع الإيرادات الحكومية بالتزامن مع التراجع الحاد في معدلات إنفاق الحكومات المحلية. هذا الأمر يؤدي بالتبعية إلى تقليص الحجم الإجمالي للتحفيز المالي الموجه لإنعاش قطاعات الاقتصاد المختلفة. وأشار التقرير إلى أن هذا الضعف في الإنفاق العام بات يمثل عبئاً متزايداً يضغط على مستويات الاستثمار والاستهلاك المحلي. علاوة على ذلك، اتجهت السياسة المالية نحو التشدد بصورة غير متوقعة. كان ذلك رغم سعي صناع القرار إلى تحفيز الأسواق في ظل استمرار أزمة قطاع العقارات وضعف الطلب.
تراجع المؤشرات وترقب حزمة بيانات حاسمة
يأتي صدور هذا التقرير قبيل أسبوع حافل بالبيانات الاقتصادية الرسمية المنتظرة من بكين، والتي ستوفر مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن أداء ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وتشمل هذه الحزمة بيانات التجارة الخارجية لشهر يونيو، ومعدلات نمو الائتمان، والناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني. بالإضافة إلى الإنتاج الصناعي، ومبيعات التجزئة، والاستثمار في الأصول الثابتة. وفي هذا السياق، يتوقع خبراء اقتصاديون أن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي للصين من 5% المسجلة في الربع الأول إلى نحو 4.5% خلال الربع الثاني. وعزز بنك “سيتي” هذه التوقعات بالإشارة إلى انخفاض العجز المالي الإجمالي إلى 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026. بالمقارنة، بلغت النسبة نحو 2.4% خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وهذا يعد مؤشراً واضحاً على تضييق الأوضاع المالية بدلاً من التوسع فيها.
تباين الإيرادات وأزمة ديون الحكومات المحلية
أرجع التقرير الفجوة الحالية في الإنفاق إلى تباين الأداء المالي بين المستويين المركزي والمحلي؛ حيث حققت الحكومة المركزية إيرادات أعلى من المتوقع بفضل ارتفاع أسعار المنتجين وتشديد آليات تحصيل الضرائب. في المقابل، واجهت الحكومات المحلية ضغوطاً خانقة اضطرتها إلى تقليص إنفاقها بشكل ملموس. ويرجع ذلك إلى الانخفاض الحاد في عائدات بيع الأراضي التي تعتمد عليها بشكل أساسي. يضاف إلى ذلك تفاقم أعباء الديون المتراكمة ونقص المشروعات الكبرى في البنية التحتية القابلة للتنفيذ الفوري.
آفاق النصف الثاني والتحول نحو الاقتصاد الذكي
رغم هذه الضغوط الانكماشية، توقع بنك “سيتي” أن يشهد النصف الثاني من عام 2026 نقطة تحول عبر زيادة الدعم المالي الحكومي وتكثيف جهود تسريع تنفيذ بنود الموازنة العامة. كذلك توقع التقرير استمرار الإصلاحات الهيكلية الهادفة إلى إعادة توزيع المسؤوليات والروابط المالية بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، بما يتماشى مع متطلبات التحول الاقتصادي الشامل في الصين. ويأتي ذلك بالتوازي مع التوجه المتزايد نحو دعم مجالات الابتكار والنمو الاقتصادي القائم على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.


