تستعد ملحنة وموزعة موسيقى الجاز العالمية، الحائزة على سبع جوائز “غرامي”، ماريا شنايدر، لإحياء حفل موسيقي مرتقب في قاعة “لوت” بالعاصمة الكورية سيول في الحادي والثلاثين من هذا الشهر. ورغم أن الحدث يأتي في سياق فني، إلا أن شنايدر لا تحمل معها مجرد نوتات موسيقية، بل تحمل رسالة احتجاجية قوية ضد نظام البث الموسيقي الرقمي الذي تصفه بـ “الكارثة المالية” التي تهدد مستقبل الموسيقيين المستقلين وتُفرغ الفن من قيمته.
نقد لنظام “غير عادل” يفاقم الفجوة الاقتصادية
تتخذ شنايدر موقفاً شجاعاً ومتفرداً بمقاطعة منصات البث العملاقة مثل “سبوتيفاي” و”يوتيوب ميوزيك”، حيث تحصر تواجد أعمالها في منصتها الخاصة “ArtistShare” وموقعها الرسمي. وتصف شنايدر الهيكل الاقتصادي الحالي لقطاع الموسيقى بأنه كيان “مشوه”، حيث تستحوذ فئة ضئيلة لا تتجاوز 10% من الموسيقيين على 99% من عائدات البث، بينما يصارع الغالبية العظمى من الفنانين من أجل الحصول على نسبة لا تكاد تذكر.
وتوجه شنايدر انتقاداً لاذعاً لهذا النموذج العملي، متسائلة عن مبررات وصف هذه المنصات بـ “المجانية” بينما تقوم في جوهرها على استغلال بيانات المستخدمين وإدمانهم على سلع استهلاكية، في عملية تدمير ممنهجة للنظام البيئي الذي يغذي الإبداع. وتؤكد أن التعامل مع الموسيقى كسلعة مجانية يتجاهل الحقيقة البسيطة بأن الفنانين لا يمكنهم العيش على “الندى وحده”.
“الغراب الأمريكي” وفلسفة التواصل المفقود
يتجلى هذا الموقف النقدي بوضوح في ألبومها الجديد “الغراب الأمريكي” (The American Crow)، الذي يمثل نقداً لاذعاً لهيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى على تفاصيل حياتنا المعاصرة. وترى شنايدر أن التكنولوجيا، رغم وعودها بتسهيل الاتصال، قد جعلت التواصل الإنساني الحقيقي أمراً بالغ الصعوبة، إذ أفقدتنا القدرة على الحوار مع المختلفين معنا في الرأي. ويأتي الألبوم كدعوة صريحة لاستعادة روح التعاون الإنساني التي تلاشت في ظل الهيمنة الرقمية.
الجاز كرسالة إنسانية في زمن الانقسام
بالعودة إلى جذورها الموسيقية التي تأثرت فيها بعمالقة مثل جيل إيفانز، تؤكد شنايدر أن الفن الحقيقي، وخاصة الجاز، يعتمد في المقام الأول على “الاستماع”. وتصف الموسيقي المبدع بأنه شخص كريم ومتواضع يقف على خشبة المسرح ليطرح أسئلة وجودية لا ليقدم إجابات جاهزة. وترى شنايدر أن جوهر الجاز، الذي يرتكز على الارتجال والتناغم والاحترام المتبادل بين أعضاء الفرقة، يمثل القيمة العليا التي تفتقر إليها مجتمعاتنا المعاصرة، لا سيما في المشهد السياسي المتوتر.
وتعبر شنايدر عن حماسها الكبير لتجربتها في سيول، معتبرة إياها “حلماً يتحقق”، وتأمل أن تكون هذه الزيارة ملهمة لمشاريعها القادمة. وتختتم شنايدر رؤيتها بالتأكيد على أن الجاز اليوم لم يعد مجرد لون موسيقي، بل صار حاجة ملحة للبشرية لتعلم فن الإنصات للآخر والتعاون المشترك من أجل بناء عالم أفضل وأكثر تفهماً.


