خاص، صوت الإمارات – في تصريح خاص لموقع “صوت الإمارات”، أكد الباحث السياسي طارق أبوزينب أن الحضور الإماراتي في الساحة اللبنانية لا يمكن تصنيفه كتحرك عابر أو رد فعل لحظي تفرضه المتغيرات الإقليمية. بل هو “تموضع سياسي ثابت” يتقدم المشهد في كل مفصل تاريخي دقيق. إضافة إلى ذلك، يعيد تثبيت دعائمه عند كل استحقاق وطني.
وأوضح أبوزينب: “بصفتي باحثاً سياسياً يتابع مسارات العلاقات الدولية، أرى أن دولة الإمارات، ومنذ لحظة تأسيسها، لم تكن يوماً مراقباً خارجياً للأحداث اللبنانية. بل هي شريك فاعل يساهم بمسؤولية في إعادة رسم التوازنات الوطنية، كلما اشتدت الضغوط وتفاقمت التحديات التي تهدد أمن لبنان واستقراره”.
علاقة تتجاوز مفاهيم الدعم التقليدي
وفي تحليله لطبيعة هذه العلاقة، يشير أبوزينب إلى أنها تتجاوز أطر الدعم التقليدي أو المواسم السياسية. فهي مسار تراكمي من الالتزام الإنساني والسياسي الذي لم ينقطع يوماً.
وبينما تغرق الدولة اللبنانية في دورات من الانهيارات التي تعيد إنتاج أزماتها، تظل الإمارات الملاذ الآمن والمستقر لآلاف اللبنانيين الذين وجدوا فيها فرصاً للعيش الكريم. هذا يعزز أواصر الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تربط الشعبين.
وفي هذا السياق، يرى أبوزينب أن قرار وزارة الخارجية الإماراتية برفع حظر السفر إلى لبنان يمثل إشارة سياسية دقيقة. كما أنه يقرأ مؤشرات الاستقرار على الأرض ويفتح الباب أمام عودة الثقة.
رؤية سياسية حاسمة لا تعرف المنطقة الرمادية
يؤكد الباحث السياسي أن الدبلوماسية الإماراتية لا تعتمد لغة المواربة في مقاربة الملف اللبنانية. حيث رحبت الإمارات بوضوح باتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، مؤكدة تضامنها الكامل مع الدولة اللبنانية في هذه المرحلة الحساسة. بالإضافة إلى ذلك، تبرز التزامها الراسخ بسيادة لبنان وسلامة أراضيه.
ويضيف أبوزينب: “الرسالة الأهم والأكثر عمقاً التي تحملها أبوظبي هي الإصرار على (حصر السلاح بيد الدولة)، باعتباره شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه لبناء أي مسار استقرار حقيقي.
قنوات التواصل مفتوحة
بالنسبة للإمارات، لا توجد سيادة دون مؤسسات قوية. علاوة على ذلك، لا يمكن ترميم الثقة الدولية بلبنان دون استعادة الدولة لدورها المركزي”.
وقد تجسد هذا الحضور السياسي في الاتصال الهام الذي أجراه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مع القيادة اللبنانية. ولقد أكد هذا الاتصال على استمرار قنوات التواصل مفتوحة،
مع تشديد على ضرورة تثبيت ركائز الاستقرار في لحظة إقليمية حرجة تحتاج فيها بيروت إلى مظلة دعم عربية واضحة. كما يبيّن أنه لا تكتفي ببيانات التأييد بل تترجمها في فعل سياسي مستمر ومؤثر.
الدبلوماسية كفعل إنساني ميداني
وعن النموذج الإماراتي في العمل الإنساني، يشدد أبوزينب على أن السياسة في المدرسة الإماراتية لا تبقي أسيرة الخطابات الرسمية. ولكنها تتحول سريعاً إلى فعل ميداني مباشر.
لقد وجّه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وكالة الإمارات للمساعدات الدولية بالتدخل الفوري لتقديم الإغاثة للمتضررين. تم ذلك انطلاقاً من رؤية مفادها أن الاستجابة الإنسانية ليست “نتيجة” للاستقرار السياسي، بل هي “مدخل” ضروري له.
هذا المسار الإنساني هو امتداد أصيل لإرث الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – الذي وضع حجر الأساس لهذه العلاقة منذ عام 1974. حينها قدّم 150 مليون دولار لمشروع الليطاني، مؤكداً أن دعم لبنان هو دعم للحق العربي وللأخوة الإنسانية.
استمر هذا النهج بعد الحرب الأهلية في 1990، عبر هبات وقروض لإعادة الإعمار. ثم جاء في 2001 عبر مشروع إزالة الألغام في الجنوب بكلفة 50 مليون دولار. وأيضا شمل اكتتاب 300 مليون دولار في سندات الخزينة عام 2003 ضمن مؤتمر “باريس-2”.
حضور في قلب الأزمات
يختتم الباحث طارق أبوزينب تصريحه بالتأكيد على أن الإمارات كانت دائماً في قلب الأزمات، كمبادر لا كمتفرج.
ففي عام 2020، حين أطبقت جائحة كورونا على العالم، بادرت الإمارات بإرسال 12 طناً من المعدات الطبية. كما أنشأت “مركز الشيخ محمد بن زايد الإماراتي-اللبنانية الاستشفائي الميداني”.
وعقب فاجعة انفجار مرفأ بيروت، كانت الإمارات من أوائل الدول التي فتحت جسراً جوياً إغاثياً. بهذا جسدت سرعة الاستجابة الأخلاقية والسياسية.
الإمارات معك يا لبنان
ومع تصاعد التوتر، تجلى الموقف الإماراتي في 30 أيلول 2024، بتوجيهات من الشيخ محمد بن زايد بتقديم 100 مليون دولار مساعدات للبنان. كما شمل ذلك 30 مليون دولار للنازحين اللبنانيين في سوريا.
ولم تتوقف الجهود عند المال، بل أطلقت حملة “الإمارات معك يا لبنان”. كذلك توجت بإرسال 23 طائرة إغاثية وباخرتين حملتا خمسة آلاف طن من الدعم الإنساني العاجل.
وخلص أبوزينب إلى القول: “إن المسار الإماراتي ثابت لا يهتز، ومستمر من عهد المؤسس إلى عهد القيادة الحالية، ليؤكد للعالم أجمع أن لبنان سيظل دائماً في صلب الحسابات الإماراتية، وأن الدعم الإماراتي يزداد عمقاً ورسوخاً كلما اشتدت الأزمات”.


