صوت الإمارات – دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع ارتفاع وتيرة احتمالات التدخل البري الأمريكي في إيران. جاء ذلك زامنا مع اقتراب نهاية المهلة النهائية التي منحها الرئيس دونالد ترامب لطهران للاستجابة للمطالب الدولية.
ومع استمرار غموض المسارات التفاوضية وتصاعد الحشد العسكري الاستراتيجي في مياه الخليج والقواعد المحيطة، تشير المعطيات الميدانية إلى أن العمليات العسكرية الأمريكية قد تجاوزت مرحلة “الردع الجوي“. لقد تحولت إلى مرحلة أكثر خطورة وعنفا عبر الإنزال البري. وهذا ما يشكل تحول نوعي في العمليات العسكرية الأمريكية.
خطط “الغرف المغلقة” في البنتاغون
كشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، نقلا عن مسؤولين رفيعي المستوى في الإدارة الأمريكية، أن وزارة الدفاع (البنتاغون) وضعت بالفعل خططا تفصيلية وجداول زمنية لعمليات برية محتملة داخل الأراضي الإيرانية. هذه الخطط، التي قد تمتد لعدة أسابيع متواصلة من القتال العنيف، تعكس تحولا جذريا في الاستراتيجية الأمريكية التي بدأت قبل خمسة أسابيع بضربات جراحية. لكنها اليوم تتأهب لاجتياح قد يعيد رسم خارطة النفوذ العالمي. وفقا للمعلومات المسربة، فإن السيناريوهات الموضوعة تتجاوز القصف التقليدي إلى توظيف قوات العمليات الخاصة (Special Forces) في مهام استهداف دقيقة خلف خطوط العدو. كما تتضمن عمليات تخريبية سرية داخل المنشآت الحصينة في العمق الإيراني. وصولا إلى نشر قوات المشاة التقليدية للسيطرة على نقاط استراتيجية.
الحشد العسكري: الفرقة 82 والمارينز في الطليعة
لم تكتف إدارة ترامب بالتخطيط الورقي، بل بدأت فعليا في تحريك قطع الشطرنج العسكرية، حيث تم نشر وحدات قتالية متكاملة من مشاة البحرية “المارينز” في نقاط ارتكاز قريبة من السواحل الإيرانية.
واعلنت القيادة المركزية الأمركيةي عن وصول بحّارة ومشاة البحرية الأمريكية على متن السفينة يو إس إس طرابلس (LHA 7) إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية.
وتعمل سفينة الهجوم البرمائي من فئة “أمريكا” كسفينة القيادة لمجموعة الاستعداد البرمائي “تريبولي” / الوحدة الاستكشافية البحرية الحادية والثلاثين. وتضم هذه الوحدة نحو 3,500 بحّار ومشاة بحرية، إضافةً إلى طائرات النقل والمقاتلات الهجومية. فضلاً عن قدرات هجومية برمائية وأصول تكتيكية.
كما تصدرت الأوامر لتحريك آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جوا، التي تعد “رأس الحربة” للجيش الأمريكي وأسرع الوحدات استجابة للأزمات الكبرى في العالم. ورغم هذا التحشيد، تشير المصادر إلى أن القرار النهائي لا يزال بيد الرئيس ترامب. إذ يوازن بين طموحاته في تحقيق “نصر حاسم” وبين مخاوف الغرق في مستنقع جديد يشبه التجربتين العراقية والأفغانية.
المسارات الثلاثة: كيف ستبدأ الحرب البرية؟
يرى المحللون العسكريون أن أي تحرك بري لن يكون عشوائيا، بل سيتبع أحد المسارات التالية:
السيناريو الجراحي (المحدود) عبر الاعتماد الكلي على قوات النخبة لضرب مراكز ثقل محددة (مثل مفاعل نطنز أو قواعد الصواريخ الباليستية). ثم الانسحاب السريع، لتجنب حرب استنزاف طويلة.
سيناريو “المناطق العازلة” (الموسع) هو الذي يهدف إلى السيطرة على مناطق حدودية استراتيجية أو جزر حيوية (مثل جزيرة خارج بالخليج العربي) لقطع أذرع طهران البحرية وتأمين ممرات الطاقة. وهذا ما يعني بقاء القوات لفترات غير محددة.
سيناريو الإسقاط (الحسم) وهو الهجوم الشامل الذي يهدف إلى تفكيك البنية العسكرية للحرس الثوري وتغيير موازين القوى الداخلية. ويعد هذا الخيار الأكثر كلفة وتطلبا للحشود البشرية والغطاء الدولي.
التداعيات: زلزال جيوسياسي واقتصادي
لا يمكن قراءة الإنزال البري كحدث عسكري معزول، بل هو “صاعق تفجير” لمنظومة معقدة من الأزمات، فقد تواجه القوات الأمريكية جيشا نظاميا يتجاوز 500 ألف جندي، مدعوما بميليشيات الحرس الثوري وقوة القدس. بالإضافة إلى تضاريس جغرافية وعرة تجعل من التقدم البري “كابوسا لوجيستيا”. أيضا تمتلك طهران شبكة نفوذ تمتد من بغداد إلى بيروت وصنعاء. هذا ما يعني أن الرصاصة الأولى في طهران ستقابلها انفجارات في عواصم إقليمية متعددة، وتهديد مباشر لأمن إسرائيل ودول الخليج. كذلك استمرار طهران باستخدام سلاح خنق الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من 20% من نفط العالم، سيؤدي فورا إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة. هذا قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود حاد. وتشير تقديرات استراتيجية إلى أن روسيا والصين قد لا تقفا مكتوفتي الأيدي أمام انهيار إيران. بالتالي قد يحول ذلك المواجهة إلى أزمة ديبلوماسية دولية تعيد أجواء الحرب الباردة.
هل هي “رصاصة الرحمة” أم “فخ استراتيجي”؟
يبقى التساؤل الجوهري، هل يجرؤ ترامب على الضغط على الزناد؟ يرى مراقبون أن ترامب، المعروف بأسلوب “حافة الهاوية”، قد يستخدم هذه الخطط كأداة ضغط قصوى لإجبار طهران على توقيع اتفاق جديد بشروطه، دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة. ومع ذلك، فإن “ديناميكية الميدان” والوقائع الاستخباراتية التي تشير إلى بقاء ثلثي الترسانة الإيرانية سليمة، قد تفرض عليه واقعا عسكريا لا يمكن التراجع عنه. إن المنطقة اليوم تقف على “فوهة بركان”. فالأسابيع القليلة المقبلة لن تحدد فقط مصير النظام في طهران، بل سترسم ملامح النظام العالمي الجديد لعقود قادمة. فإما تسوية تاريخية كبرى، أو انفجار إقليمي يغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد.



