خاص، صوت الإمارات – يقف العالم اليوم أمام مفترق طرق تاريخي بالغ الخطورة، في ظل حرب تتشعب جبهاتها وتتضاعف تداعياتها بوتيرة لم يشهدها النظام الدولي منذ عقود. فبينما تتأرجح واشنطن بين خيار الضربة العسكرية الحاسمة والبحث عن مخرج دبلوماسي، يئن الاقتصاد العالمي تحت وطأة أزمة طاقة غير مسبوقة، فيما تخرج ملايين الأمريكيين إلى الشوارع في موجة احتجاجية تعيد رسم المشهد السياسي الداخلي وتلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل إدارة الرئيس دونالد ترامب.
و حذر أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الشأن الإسرائيلي، البروفيسور حسين الديك في تصريحات خاصة لـ “صوت الإمارات”، من تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة للحرب الحالية، مؤكدا أن العالم يقف أمام واحدة من أخطر الأزمات المركبة التي تجمع بين التوترات العسكرية والانكماش الاقتصادي وعدم الاستقرار في أسواق الطاقة.
التداعيات الاقتصادية العالمية
وأوضح الديك أن التداعيات الاقتصادية للحرب لا تقتصر على أطراف الصراع المباشرين، بل تمتد لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله، مشيرا إلى أن الأسواق الدولية تعاني بالفعل من حالة اضطراب غير مسبوقة، خاصة في قطاع الطاقة. وأضاف أن أسعار النفط والغاز تشهد تقلبات حادة نتيجة المخاوف من اتساع رقعة المواجهة،
ما ينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل وسلاسل الإمداد العالمية.وأكد أن الاقتصاد العالمي لم يشهد أزمة بهذا الحجم من قبل، حيث تتداخل فيها العوامل الجيوسياسية مع الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما يضع الدول، خاصة النامية، أمام تحديات اقتصادية كبيرة قد تستمر لسنوات حتى بعد انتهاء الحرب.
الاستراتيجية الأمريكية بين التصعيد والدبلوماسية
وفي سياق متصل، أشار الديك إلى أن الإدارة الأمريكية تحاول إدارة الأزمة عبر مزيج من الأدوات السياسية والعسكرية، لافتا إلى أن الرئيس دونالد ترامب يتبنى استراتيجية متذبذبة تجمع بين التهديد بالتصعيد العسكري من جهة، والانخراط في مسارات دبلوماسية من جهة أخرى.
وبين أن هذه الازدواجية تعكس محاولة للضغط على الخصوم وتحقيق مكاسب سياسية دون الانزلاق إلى حرب شاملة، رغم أن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة بقوة.وأضاف أن الوقت لا يزال مبكرا للتنبؤ بموعد انتهاء الحرب، موضحا أن السيناريوهات المطروحة تتراوح بين توقف سريع خلال أسابيع قليلة، أو امتداد الصراع لأشهر، وربما لفترة أطول، في ظل ما وصفه بـ”أزمة الثقة العميقة” بين الولايات المتحدة وإيران. وأكد أن المسار التفاوضي لم ينطلق بشكل فعلي حتى الآن، ولا يزال يواجه عقبات سياسية واستراتيجية معقدة.
مصير مضيق هرمز وسيناريوات الحرب
وتطرق الديك إلى أهمية مضيق هرمز في معادلة الصراع، معتبرا أن إيران نجحت حتى اللحظة في استخدام هذه الورقة كورقة ضغط استراتيجية على المجتمع الدولي، نظرا لأهمية المضيق في نقل جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. لكنه حذر من أن هذه الورقة قد تفقد قيمتها في حال حدوث تدخل عسكري مباشر يستهدف السيطرة على السواحل أو الجزر الإيرانية، ما قد يغير قواعد اللعبة بشكل جذري.وفي تحليله للسيناريوهات القريبة، توقع الديك أن الساعات أو الأيام المقبلة قد تكون حاسمة، مشيرا إلى احتمال تنفيذ عمل عسكري واسع داخل الأراضي الإيرانية باستخدام وسائل غير تقليدية، بهدف تحقيق إنجاز سريع يمكن تسويقه سياسيا.
استنزاف ااقتصادي واسع
واعتبر أن مثل هذا السيناريو قد يمهد لاحقا للانتقال إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة.وفيما يتعلق بالكلفة الاقتصادية للصراع، شدد الديك على أن استمرار الحرب سيؤدي إلى رفع كلفة الاقتصاد العالمي بشكل كبير، سواء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب التجارة الدولية أو تراجع الاستثمارات. وأوضح أن هذه الضغوط قد تدفع القوى الكبرى إلى تسريع جهودها لحسم الصراع، نظرا لما يسببه من استنزاف اقتصادي واسع.
حتمية الربح والخسارة
وأكد أن الحروب الكبرى لا تنتهي عادة بحلول وسط، بل تفرز رابحا وخاسرا، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تقبلا بالخروج من هذه المواجهة دون تحقيق مكاسب واضحة، وهو ما يزيد من تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سريعة.وعلى صعيد أوسع، يرى الديك أن المنطقة تمر بمرحلة تحول تاريخي قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل.
وأوضح أن نتائج هذه المواجهة لن تقتصر على إيران، بل ستؤثر على توازنات القوى الإقليمية، وقد تؤدي إلى إنهاء نفوذ قوى غير حكومية لعبت دورا محوريا في السنوات الماضية.وأشار إلى وجود توجه دولي وإقليمي نحو إنهاء ظاهرة “الفاعلين غير الحكوميين”، معتبرا أن المرحلة الحالية تمثل مرحلة تنفيذ هذا التوجه، من خلال تقليص دور الميليشيات المسلحة وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية كمركز للسلطة.
التظاهرات في الولايات المتحدة
وفي سياق آخر، تناول الديك الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة، مسلطا الضوء على التظاهرات الواسعة التي تشهدها البلاد احتجاجا على سياسات الإدارة الحالية. واعتبر أن هذه الاحتجاجات تعكس انقساما سياسيا ومجتمعيا عميقا، حيث يشارك فيها طيف واسع من القوى، بما في ذلك منظمات حقوقية ونقابات ونشطاء مستقلون.وأوضح أن أسباب هذه التظاهرات متعددة، أبرزها رفض الحرب والتصعيد العسكري، إلى جانب الاعتراض على السياسات الاقتصادية والهجرة، فضلا عن المخاوف المتعلقة بالحريات والديمقراطية. وأضاف أن ارتفاع الأسعار، خاصة في قطاعي الطاقة والغذاء، كان عاملا مهما في خروج أعداد كبيرة من المواطنين إلى الشارع.
حجم ونطاق الاحتجاجات ومصري الانتخابات
وأشار إلى أن الاحتجاجات شملت مختلف الولايات الأمريكية، وبلغ عدد المشاركين فيها ملايين الأشخاص، ما يجعلها واحدة من أكبر موجات الحراك الشعبي في تاريخ البلاد الحديث. ورغم أن معظمها اتسم بالسلمية، إلا أن بعض المدن شهدت احتكاكات محدودة.ولفت إلى أن الإدارة الأمريكية قللت من أهمية هذه الاحتجاجات، لكنها في الواقع تمثل ضغطا سياسيا متزايدا قد يؤثر على قراراتها، خاصة في ظل اقتراب الانتخابات .وفي المشهد الانتخابي، أوضح الديك أن الانتخابات المقبلة ستشمل تجديد أعضاء الكونغرس، دون أن تمس منصب الرئيس.
وتوقع أن يحقق الحزب الديمقراطي تقدما ملحوظا، خاصة في مجلس النواب، ما قد يحد من قدرة الإدارة على تمرير سياساتها.وأشار إلى أن سيطرة المعارضة على مجلس النواب قد تؤدي إلى تعطيل العديد من المبادرات الحكومية، سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي في واشنطن.واستعرض الديك السياق التاريخي للاحتجاجات في الولايات المتحدة، مؤكدا أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل شهدتها البلاد في فترات مختلفة، خاصة خلال الحروب الكبرى مثل حرب فيتنام، حيث لعبت الاحتجاجات دورا مهما في تشكيل الرأي العام والتأثير على القرار السياسي.
ضغط داخلي وتحديات خارجية
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الحراك الشعبي الحالي يعكس حيوية المجتمع الأمريكي، لكنه في الوقت ذاته يشكل تحديا حقيقيا للإدارة، خاصة في ظل تزامنه مع أزمات خارجية معقدة. وأكد أن الرسالة الأساسية لهذه الاحتجاجات تتمثل في رفض الانخراط في حروب جديدة، والتركيز على القضايا الاقتصادية والمعيشية للمواطنين.وأشار إلى أن استمرار هذا الزخم الشعبي قد يدفع صناع القرار إلى إعادة النظر في سياساتهم، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي وتجنب تداعيات سياسية أوسع في المستقبل.



