القاهرة ، مصر – لم يعد معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء مجرد منصة لاستعراض الطائرات والمقاتلات، بل يتحول تدريجيًا إلى نافذة تكشف اتجاهًا أوسع في استراتيجية مصر الدفاعية. إذ انتقلت الاستراتيجية من الاعتماد على شراء المنظومات الجاهزة إلى توسيع قاعدة التصنيع المحلي. بالإضافة إلى نقل التكنولوجيا وتطوير الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة والذخائر والمنظومات الذكية. وتأتي النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر 2026، بمشاركة مؤسسات مصرية عسكرية ومدنية وشركات دولية كبرى. علاوة على ذلك، هناك تركيز واضح على الطائرات المسيّرة، والأنظمة المضادة للمسيّرات، والأسلحة الموجهة، والرادارات والحرب الإلكترونية، والأنظمة ذاتية التشغيل وتكنولوجيا الفضاء.
مصر لا تشتري السلاح فقط
الصورة الأهم لا تكمن في نوع السلاح المعروض، وإنما في السؤال الذي تقف خلفه: هل تستطيع مصر تصنيع جزء متزايد من احتياجاتها الدفاعية بدلًا من الاعتماد الكامل على الخارج؟ خلال السنوات الأخيرة، توسعت القاهرة في مسارات التعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا. وفي الوقت نفسه، نوعت مصادر التسليح. وفي معرض EDEX 2025، قالت رويترز إن مصر تستهدف التحول إلى مركز إقليمي لصناعة الدفاع، مستفيدة من شراكات مع شركات دولية، بينها الصينية والفرنسية، إلى جانب قاعدة صناعية محلية آخذة في الاتساع. وهنا تظهر أهمية معرض العلمين؛ فالمشهد لم يعد يقتصر على استقبال المنتجات الأجنبية. بل أصبح يجمع في المكان نفسه الشركات العالمية والمؤسسات المصرية والباحثين والمطورين ومجالات الطيران والدفاع والفضاء.
من الطائرة إلى الروبوت
الحرب الحديثة غيّرت معادلة القوة الجوية ، فالمسيّرات أصبحت عنصرًا أساسيًا في ساحات القتال، بينما تتزايد أهمية الأنظمة الأرضية غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، وأنظمة كشف المسيّرات واعتراضها، والذخائر الدقيقة. وتشير دراسات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS إلى أن تجربة أوكرانيا أظهرت أهمية القدرة على إنتاج الأنظمة غير المأهولة على نطاق واسع وربط الابتكار العسكري بالقدرة الصناعية، وليس الاعتماد فقط على المنظومات مرتفعة التكلفة. ومن هذه الزاوية، فإن ظهور الروبوتات الأرضية والجوية والأنظمة المستقلة في المشهد الدفاعي المصري يحمل دلالة تتجاوز المنتج نفسه؛ لأنه يعكس دخول الصناعة الدفاعية إلى مجال يعتمد على البرمجيات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والاتصالات بقدر اعتماده على المعدن والمحركات.
«المسيّرات».. الاختبار الأصعب
أصبحت الطائرات المسيّرة أحد أسرع مجالات الصناعة الدفاعية نموًا عالميًا، وهو ما انعكس على معرض EDEX 2025، الذي شهد عرض عدد كبير من تقنيات المسيّرات والأنظمة المضادة لها. وبحسب رويترز، عرضت شركات في المعرض نماذج لمسيّرات هجومية وأنظمة ملاحة مدعومة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات لمواجهة التشويش. في المقابل، كانت مصر تتحرك بالتوازي نحو بناء شراكات تساعدها على تطوير قاعدة تصنيع دفاعي إقليمية. وتبرز ضمن هذا المسار منتجات مصرية من عائلة «جبار» التي ظهرت في EDEX 2025، في مؤشر على انتقال جزء من النشاط المحلي إلى تصميم وتصنيع منصات جوية غير مأهولة. أي أنها لم تعد تقتصر على تشغيل منتجات مستوردة فقط.
لماذا تبدو الذخائر أهم من المقاتلات أحيانًا؟
الدرس الآخر الذي فرضته الحروب الحديثة هو أن امتلاك المنصة المتقدمة لا يكفي وحده ، فالولايات المتحدة نفسها تواجه في 2026 نقاشًا واسعًا حول مخزونات الذخائر وقدرة الصناعة على تعويض الاستهلاك المرتفع، فيما يلفت CSIS إلى أن استدامة القوة العسكرية ترتبط بقدرة القاعدة الصناعية على إنتاج الذخائر وإعادة بناء المخزونات بسرعة. ولهذا، فإن تطوير الذخائر الموجهة والأنظمة غير المأهولة وأدوات الاستشعار أصبح جزءًا من معركة صناعية طويلة الأمد. إنها ليست مجرد عملية شراء سلاح جديد. بالنسبة لمصر، تعني هذه المعادلة أن بناء قدرات محلية في هذه المجالات يمكن أن يمنح القوات المسلحة مرونة أكبر في تلبية احتياجاتها. خاصة مع تغير طبيعة التهديدات وتطور تكنولوجيا الحرب.
الأرقام تكشف تحولًا مهمًا
بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI» تقدم مؤشرًا لافتًا على تغير خريطة واردات السلاح المصرية. فقد انخفضت واردات مصر من الأسلحة الرئيسية بنسبة 44% بين الفترتين 2015–2019 و2020–2024، وانتقلت مصر من المرتبة الثالثة عالميًا بين أكبر مستوردي الأسلحة إلى المرتبة الثامنة. والأهم أن تركيبة الواردات نفسها تغيرت؛ ففي الفترة الأولى كانت الطائرات تمثل 51% من واردات مصر من الأسلحة الرئيسية. بينما أصبحت السفن تمثل نحو 65% من الواردات خلال 2020–2024. ذلك لا يعني أن مصر توقفت عن شراء الأسلحة المتقدمة، بل يشير إلى تغير في حجم وتركيبة الاستيراد. ويأتي ذلك بالتزامن مع محاولة توسيع القدرات المحلية والشراكات الصناعية.
السيسي وصناعة «القدرة قبل السلاح»
خلال عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، أصبح تنويع مصادر التسليح والتوسع في الشراكات العسكرية والصناعية أحد الملامح الواضحة للسياسة الدفاعية المصرية. لكن التطور الأهم يتجاوز فكرة تنويع الموردين إلى تنويع مصادر التكنولوجيا نفسها. في الواقع، تمنح الشراكة الصناعية مصر شيئًا مختلفًا عن شراء السلاح الجاهز: خبرة، وسلاسل توريد، وقدرات صيانة وتطوير، وإمكانية إنتاج مكونات أو أنظمة داخل البلاد، فضلًا عن خلق قاعدة يمكن البناء عليها مستقبلًا. ولهذا تبدو استضافة مصر لحدث يجمع صناعات الطيران والدفاع والفضاء أكثر من مجرد مناسبة دولية؛ فهي محاولة لوضع القاهرة في قلب شبكة التعاون التكنولوجي والصناعي الإقليمية.
العلمين.. منصة مصرية لسوق أكبر
مشاركة شركات ومؤسسات دولية كبرى في معرض العلمين تعكس أيضًا اتساع الدور المصري كمركز للقاء بين صناعة الدفاع العالمية والأسواق الأفريقية والعربية ، المعرض نفسه يقدّم مصر باعتبارها مركزًا إقليميًا للطيران والفضاء والدفاع، بمشاركة وزارة الدفاع والقوات الجوية ووزارة الطيران المدني ووكالة الفضاء المصرية ومصر للطيران. وتكتسب هذه المكانة أهمية إضافية مع توجه العديد من الدول إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية، وارتفاع الطلب على المسيّرات وأنظمة مكافحة المسيّرات والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.
المعركة الحقيقية خلف المعرض
إذا كانت المقاتلات تعكس قوة السلاح، فإن المصانع ومراكز البحث والتطوير تعكس استدامة القوة ، وهنا تكمن دلالة معرض العلمين بالنسبة لمصر. القاهرة لا تحاول فقط امتلاك منصات حديثة؛ بل تعمل على توسيع المنظومة التي تقف خلفها: التصنيع، والصيانة، والتطوير، والبرمجيات، والمسيّرات، والروبوتات، والذخائر، والاستشعار والفضاء. وفي عالم أصبحت فيه الحروب تختبر قدرة الدول على تعويض خسائرها وإنتاج احتياجاتها بسرعة، قد تصبح القدرة على تصنيع السلاح وتطويره بنفس أهمية امتلاكه.
من المستورد إلى الشريك
المعادلة المصرية الجديدة لا تعني التخلي عن الاستيراد، فامتلاك مقاتلات وسفن ومنظومات دفاعية عالمية سيظل جزءًا من استراتيجية التسليح. لكن الاتجاه الأكثر أهمية هو أن تصبح مصر قادرة على الجمع بين الشراء والتصنيع والتطوير والشراكة. ومن هنا يمكن قراءة معرض العلمين باعتباره محطة في مشروع أكبر: تحويل مصر من سوق رئيسية للسلاح إلى دولة تمتلك قاعدة صناعية دفاعية قادرة على إنتاج بعض احتياجاتها. بالإضافة إلى ذلك، أصبح بإمكان مصر استيعاب التكنولوجيا الأجنبية وتطوير منتجاتها الخاصة، وربما المنافسة مستقبلًا في أسواق إقليمية.
في سباق السلاح الجديد، قد لا تكون الدولة الأقوى هي التي تمتلك أغلى مقاتلة فقط، وإنما التي تستطيع إنتاج ما تحتاجه عندما تتغير طبيعة الحرب. ومن هذه الزاوية، فإن أهم ما تعرضه مصر في العلمين ليس طائرة أو روبوتًا أو ذخيرة بعينها، وإنما محاولة بناء قدرة صناعية تجعل قرار السلاح أقل ارتباطًا بالسوق الخارجية وأكثر ارتباطًا بما تستطيع القاهرة أن تصنعه وتطوره بنفسها.



