خاص، الإمارات – في تصريح خاص لموقع “صوت الإمارات”، أكد الباحث السياسي طارق أبوزينب أن المنطقة العربية تمر بمرحلة مفصلية تتجاوز في أبعادها حدود الأزمات المعتادة، ويضيف أنها تصل إلى حالة من إعادة الصياغة الجذرية للنظام الإقليمي برمته.
وأوضح أبوزينب أن المشهد الحالي، الذي يتسم بالسيولة والتوتر، لا يقتصر على إعادة توزيع مناطق النفوذ. في الواقع، يعكس صراعاً مفتوحاً ومريراً على هوية الشرق الأوسط وتوازناته المستقبلية.
منظومة النفوذ: الجبهة الواحدة
وفي تحليله لطبيعة القوى الفاعلة، يرى أبوزينب أن الساحات المرتبطة بإيران لا يمكن التعامل معها كملفات منفصلة أو أحداث محلية معزولة.
ويقول في تصريحه: “نحن أمام منظومة نفوذ استراتيجية مترابطة؛ من لبنان إلى العراق وصولاً إلى اليمن. هذه البنى السياسية والأمنية العابرة للحدود لم تعد مجرد حلفاء، بل تحولت إلى شبكة نفوذ تفرض إيقاعها على الإقليم. وأي اهتزاز في أي ساحة منها هو جزء من سلسلة ارتدادات إقليمية متصلة تتجاوز الحدود الوطنية”.
ويضيف الباحث: “تشير المعطيات التحليلية إلى أن طهران لا تتعامل مع هذه الساحات إلا ككتلة استراتيجية واحدة.
لذا، فإن المراهنة على أن أي اتفاقات أو مفاوضات مستقبلية بين طهران وواشنطن ستؤدي إلى تفكيك هذه البنية هي مراهنة غير دقيقة؛ فالمتوقع ليس التفكيك، بل إعادة هندسة الوظائف وتوزيع الأدوار لرفع كفاءة هذه المنظومة.
وما نراه من تحركات ميدانية، كإعلان الحوثيين عن ‘قوات التعبئة العامة’، ليس خروجاً عن هذا السياق، بل هو جزء من إعادة تنظيم الجاهزية الشاملة”.
لبنان: “نقطة الاشتباك” الأكثر خطورة
وعن الوضع اللبناني، يشدد أبوزينب على أن لبنان قد خرج من إطاره الداخلي ليصبح “نقطة اشتباك مباشرة” في قلب الصراع.
ويتابع: “لم يعد ملف حزب الله وسلاحه شأناً داخلياً لبنانياً، بل بات ورقة مركزية في معادلة إقليمية كبرى تتصل بمسارات التفاوض الدولي.
الحزب اليوم يواجه واقعاً جديداً؛ فخياراته الدفاعية التي لطالما تمسك بها أصبحت في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة تسعي لإعادة ضبط التوازنات”.
ويرى أبوزينب أن لبنان بات على “خط تماس مكشوف”. فعلاً، تتقلص هوامش المناورة أمام الدولة والقوى السياسية، وتغيب الضمانات الحقيقية.
ويؤكد الباحث أن المؤشرات الميدانية والخطاب السياسي تشير إلى حالة من إعادة التموضع لدى الحلفاء، مع رفع لسقف المواجهة. في الوقت ذاته، تعيش بيئة إقليمية لا تزال تخضع لتحولات متسارعة ومفتوحة على كافة الاحتمالات.
ساحات الاختبار: اليمن والعراق
وفي قراءة للساحات الأخرى، يرى أبوزينب أن اليمن، عبر بوابة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، قد تحول إلى عقدة أمن دولي بامتياز.
هنا لم يعد التصعيد هناك مجرد تصفية حسابات محلية. بل بات يؤثر مباشرة على سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، مما يضع هذه الساحة في قلب الحسابات الاستراتيجية للقوى العظمى.
أما في العراق، فيؤكد أبوزينب أن المشهد معقد للغاية، حيث يقف ملف الفصائل المسلحة كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على تعزيز سيادتها.
ويوضح: “العراق يعيش حالة من التوازن الدقيق والقلق بين متطلبات الدولة السيادية وبين واقع النفوذ الإقليمي المتجذر، مما يجعل المشهد في بغداد قابلاً للتحول في أي لحظة تبعاً لاتجاهات التصعيد أو التهدئة في المحيط الإقليمي”.
خلاصة المشهد: مرحلة بلا ضمانات
يختتم الباحث السياسي طارق أبوزينب تصريحه لـ “صوت الإمارات” برؤية استشرافية قاتمة قائلاً: “لا يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو تسويات مستقرة في المدى المنظور.
نحن في مرحلة إعادة تشكيل تُكتب قواعدها تحت الضغط والنار، لا عبر الحوارات السياسية. الإقليم دخل مرحلة اختبار كبرى، ولا توجد ضمانات لأي طرف”.
ويضيف: “طالما أن مسارات الصراع بين طهران وواشنطن لم تحسم اتجاهاتها بعد، فإن خرائط النفوذ ستبقى متحركة، وساحات الاشتباك ستظل مفتوحة على مفاجآت أمنية.
وبالنسبة للبنان، فقد أصبح في قلب هذه العاصفة، بلا حياد ممكن ولا مسافة آمنة، في إقليم يُعاد رسم خرائطه بالقوة والوقائع الميدانية قبل أن تُكتب في أروقة السياسة”.


