صوت الامارات – مع إحكام القوات الأمريكية قبضتها على المنافذ البحرية الإيرانية ضمن حصار وصفه البيت الأبيض بأنه قد يستمر “إلى أجل غير مسمى”، وتصاعد احتمالات العودة للعمليات العسكرية الجوية ضد طهران، يبرز تساؤل جوهري في أروقة مراكز الأبحاث السياسية. فهل حان الوقت ليعيد الرئيس دونالد ترامب تفعيل “الورقة الكردية” كجبهة داخلية لزعزعة استقرار النظام؟
يرى مراقبون أن فشل مفاوضات إسلام آباد الأخيرة وضع واشنطن أمام خيار تنويع أدوات الضغط. لهذا تجاوزت واشنطن الخناق الاقتصادي البحري نحو تفعيل المكونات العرقية المعارضة، وعلى رأسها القوى الكردية. القوى الكردية تمتلك تنظيما عسكريا وسياسيا متمرسا. كذلك لديها قدرة على إرباك الحسابات الميدانية في الداخل الإيراني.
تذبذب “الرؤية الترامبية”: بين الإعجاب وانعدام الثقة
لم تكن علاقة إدارة ترامب الثانية بالأكراد الإيرانيين (روجيلات) واضحة المعالم منذ البداية. ففي أوائل مارس 2026، وخلال المرحلة الأولى من الحملة العسكرية ضد إيران، وصفت تصريحات ترامب فكرة الاستعانة بالأكراد بأنها “رائعة”. لكنه تراجع سريعا أمام الصحفيين قائلا: “إنهم مستعدون للدخول، لكنني أخبرتهم أنني لا أريدهم أن يدخلوا حاليا”. هذا التذبذب يعود، وفقا لمحللين، إلى تجارب عملياتية سابقة سادها التوجس. وخلال احتجاجات ديسمبر 2025، أكدت تقارير أن واشنطن أرسلت أسلحة “عبر وسيط كردي” للمتظاهرين. لاحقا، ادعى ترامب أن الأكراد احتفظوا بتلك الأسلحة لأنفسهم بدلا من توزيعها. هذا “الشرخ في الثقة” جعل واشنطن تتردد في تسليمهم دور “رأس الحربة”. فهي تخاف من تحولهم إلى قوة مستقلة تخدم أجندات قومية تتجاوز سقف المصالح الأمريكية اللحظية.
تحالف الأحزاب الكردية: قوة الـ 6000 مقاتل
رغم الضبابية الأمريكية، لم يقف الأكراد مكتوفي الأيدي. ففي فبراير 2026، أعلنت خمسة أحزاب كردية إيرانية كبرى عن تشكيل تحالف واسع لتنسيق السياسة تجاه إيران. يضم التحالف: الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب حرية كردستان، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك)، ومنظمة خبات، وتيار كومالا. يمتلك هذا التحالف قوة مقاتلة (بيشمركة) تقدر بـ 6000 مقاتل. معظمهم يتمركز في المناطق الجبلية الوعرة على الحدود العراقية الإيرانية.
وفي بيان صدر في 10 أبريل، حمل التحالف طهران مسؤولية الحرب بسبب طموحاتها النووية، مؤكدا أن “النظام غير قابل للإصلاح”. كما شدد البيان على أن التغيير الديمقراطي الجذري هو السبيل الوحيد للاستقرار.
قادة الميدان: “لسنا بيادق ولكننا نقتنص الفرص”
في حديثه لـ “صوت الإمارات”، يوضح عارف باوه جاني، رئيس حزب سربستي كردستان، المعادلة الكردية بوضوح: “الكرد ليسوا بيادق بيد أي دولة، لكن تحقيق مصالح شعبنا يفتح المجال للتعاون. البيشمركة تتحرك بقرار وطني كردي، وإذا اندلعت حرب شاملة، يجب استغلال الفرص المتاحة في الشرق الأوسط. نحن القوة الوحيدة المجهزة والمستعدة للتعامل مع أي فراغ سلطة في طهران لحماية أراضي كردستان وثرواتها”. و شدد على أن البيشمركة الكردية في كردستان إيران تتحرك بقرار كردستاني ووفقا لضرورات المصلحة الوطنية الكرردية، وليست “ورقة” بيد أمريكا أو إسرائيل أو أي جهة أخرى.
وذكر أنه في حال اندلاع حرب بين (إسرائيل وأمريكا) مجددا ضد إيران، يجب على الشعب الكرردي والبيشمركة استغلال الفرص المتاحة في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحهم. كذلك لا مانع من التفاوض أو الاتفاق مع التحالف الدولي إذا كان ذلك يصب في مصلحة شعب كردستان. وتابع “جاني” أنه في حال سقوط النظام الإيراني، سيكون للبيشمركة عند حدوث أي فراغ سلطة في طهران هي الحفاظ على أراضي كردستان، وحماية أمن الشعب وثرواته، ومنع حدوث فوضى. كذلك اعتبر السياسي الكردي أن البيشمركة هي القوة الوحيدة المجهزة في الجغرافيا الإيرانية والمستعدة للتعامل مع أي تغييرات سياسية قادمة.
من جانبها تقول سارة نوا، عضو حزب الحياة الحرة الكردستاني، المعروف اختصارا بـ PJAK، لـ”صوت الإمارات” أنه على مدى السنوات السبع والأربعين الماضية من حكم النظام الإيراني، انخرط شعبنا في نضالات شتى، وكان دائما رائدا للمقاومة بين شعوب إيران. وقالت نوا “سعى الشعب الكردي، بوعيه وإدراكه لأهمية النضال في الوقت المناسب وكيفية القيام به، إلى استغلال كل فرصة متاحة لإحداث تغيير في النظام الاستبدادي للسلطة. كان الهدف الأساسي من هذه النضالات هو إقامة إيران ديمقراطية وحل القضية الكردية ضمن إطار ديمقراطي. كما ظلت الأساليب المتبعة في هذه النضالات ديمقراطية بامتياز”.
وتابعت ” تعتبر الأحزاب السياسية في روجيلات، ولا سيما حركتنا، حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك)، نفسها منظمات متجذرة في الشعب، وانطلاقا من مصالح شعبنا وتطلعاته، نواصل جهودنا ونضالنا. ونؤمن إيمانا راسخا بأن أي قوة تعمل بما يتماشى مع مصالح وتطلعات شعبنا في روجيلات وشعوب إيران ستجدنا متحالفين معها. وسنسعى جاهدين للمساهمة الفعالة والمشاركة في عملية التحول هذه”. وأكدت أنه حتى في حالة الحرب، يظل التزام الحزب قائما بالسعي إلى تحويل النظام الاستبدادي في إيران مع تقليل الضرر إلى أدنى حد وتجنب فرض تكاليف باهظة على الشعب الكردي.
تحليل: هل يلدغ الكرد من جحر “الوعود” مرتين؟
يرى الباحث السياسي أحمد شيخو لـ “صوت الإمارات” أن التناقض في تصريحات ترامب يعكس غياب رؤية واضحة لواشنطن حول “اليوم التالي” لسقوط النظام. ويشير شيخو إلى أن الأكراد لديهم “أزمة ثقة” بالجانب الأمريكي. خاصة بعد تجربة شمال سوريا وتفضيل واشنطن أحيانا لأطراف أخرى على حساب الحلفاء الأكراد. ويضيف شيخو: “لن يكون الكرد جنودا في حرب ترامب العبثية. لديهم نهج ‘الخط الثالث’ القائم على الديمقراطية والتعددية. ترامب يريد جر الجميع لبوتقة حربه، لكن الكرد يرون أن مصلحتهم تكمن في تمتين جبهتهم الداخلية. ومع ذلك، لو حدث انهيار شامل، فمن الطبيعي أن يبادروا لإدارة أنفسهم، مما قد يضع إيران أمام واقع جيوسياسي جديد ومعقد”.
السيناريوهات المستقبلية: من الحصار إلى الحظر الجوي
مع فرض الحصار البحري، يرجح مراقبون أن الخطوة التالية قد تكون فرض “حظر جوي” فوق مناطق غرب إيران. بذلك سيتم توفير غطاء لتحركات المعارضة المسلحة.
السيناريو الأول: استخدام الأكراد كقوة “إشغال” تشتت تركيز الحرس الثوري عن الجبهات البحرية والنووية.
السيناريو الثاني: تجاهل واشنطن للورقة الكردية مؤقتا لتجنب إغضاب قوى إقليمية، والتركيز على الخنق الاقتصادي وحده.
تظل “الورقة الكردية” بالنسبة لترامب خيارا استراتيجيا محفوفا بالمخاطر؛ فهي الأسرع تأثيرا في الداخل الإيراني. لكنها الأكثر تعقيدا في حسابات التحالفات. الأكراد من جهتهم، تعلموا من التاريخ أن الوعود الدولية متغيرة. لذا فهم يجهزون أنفسهم لانتظار لحظة الانهيار، ليس كجنود لترامب، بل كحراس لحلمهم القديم في السيادة والحرية وسط عواصف المنطقة.


