صوت الإمارات – في لحظة فارقة يمر بها سوق الطاقة العالمي، وتحت وطأة تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، كشفت تقارير دولية عن تحرك واسع النطاق تقوده القوى الاقتصادية الكبرى لاحتواء انفجار أسعار النفط. وأفادت وكالة رويترز، نقلاً عن مصدر حكومي فرنسي رفيع، أن دول مجموعة السبع (G7) وضعت على طاولة البحث خطة طارئة لإطلاق منسق للاحتياطيات النفطية الاستراتيجية. يأتي ذلك في محاولة لضخ السيولة في السوق وتهدئة المخاوف العالمية.
اجتماع “الاثنين الكبير” وسياق الأزمة
من المقرر أن يعقد وزراء مالية مجموعة الدول السبع، التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واليابان وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، اجتماعاً حاسماً اليوم الاثنين الموافق 8 مارس؛ لمناقشة التداعيات الاقتصادية المباشرة للأزمة الإيرانية. ويأتي هذا الاجتماع في وقت تشهد فيه الأسواق اضطراباً غير مسبوق. فقد تضافرت عوامل نقص الإمدادات مع الغموض السياسي لتخلق “عاصفة كاملة” في قطاع الطاقة.
لقد سجلت أسعار النفط قفزات تاريخية، مدفوعة بقرار كبار المنتجين خفض الإنتاج. وقد تزامن ذلك مع تطور سياسي مفصلي في طهران؛ حيث اعتُبر تعيين مجتبى خامنئي زعيماً جديداً للجمهورية الإسلامية رسالة واضحة للمجتمع الدولي باستمرار نهج “المتشددين” في السلطة. ونتيجة لذلك، تبخرت آمال الانفراج الدبلوماسي التي كانت تراهن عليها بعض الأسواق لخفض منسوب التوتر في الممرات المائية الحيوية.
تجاوز حاجز الـ 100 دولار والقلق الأوروبي
وفي تصريح يعكس خطورة الموقف، أكد متحدث باسم المفوضية الأوروبية أن الأزمة الإيرانية وتداعياتها الميدانية كانت المحرك الأساسي لارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل. هذا الرقم يمثل “خطاً أحمر” اقتصادياً للدول المستوردة، حيث يهدد بموجات تضخمية جديدة قد تقوض جهود التعافي الاقتصادي العالمي.
وبالتوازي مع تحركات مجموعة السبع، أعلن الاتحاد الأوروبي عن استنفار كامل لمجموعات تنسيق إمدادات النفط والغاز التابعة له. من المقرر عقد اجتماع طارئ في ذات اليوم (8 مارس). وسينصب التركيز في هذا الاجتماع على نقطتين جوهريتين:
تقييم الأثر المباشر: دراسة مدى تأثر سلاسل التوريد بالصراعات الدائرة في الشرق الأوسط. كما سيتم بحث احتمالات توسع رقعة النزاع لتشمل مضيق هرمز.
جرد المخزونات: إجراء تقييم دقيق وشامل لاحتياطيات النفط لدى الدول الأعضاء في الاتحاد. الهدف هو تحديد مدى قدرتها على الصمود في حال انقطاع الإمدادات أو استمرار الأسعار في مستوياتها القياسية الحالية.
الاحتياطيات الطارئة: السلاح الأخير
إن لجوء مجموعة السبع لتدشين خطة إطلاق الاحتياطيات الطارئة يعد “الخيار النووي” الاقتصادي الذي لا يتم تفعيله إلا في حالات الضرورة القصوى. فمنذ عقود، تحتفظ هذه الدول بمخزونات هائلة لمواجهة انقطاعات العرض المفاجئة. واليوم، يبدو أن القادة الغربيين يرون في وصول مجتبى خامنئي للسدة الزعامة مؤشراً على مرحلة طويلة من المواجهة. لذا، يستوجب استخدام هذه الأداة لحماية المستهلكين وضمان استقرار الصناعات التي تعتمد بشكل كثيف على الطاقة.
يقول خبراء اقتصاد إن هذه الخطوة، إذا ما نُفذت بشكل جماعي ومنسق بين القارات الثلاث (أمريكا، أوروبا، آسيا)، قد تنجح في خفض الأسعار مؤقتاً بنسبة تتراوح بين 5% إلى 10%. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول مدى فعالية هذا الإجراء على المدى الطويل إذا ما استمر التصعيد الميداني أو إذا قرر كبار المنتجين (أوبك+) التمسك بسياسة خفض الإنتاج الحالية.
مستقبل الطاقة بين الدبلوماسية والميدان
تحاول القوى الدولية الآن إدارة الأزمة عبر مسارين؛ الأول هو المسار الفني المتمثل في ضخ الاحتياطيات، والثاني هو المسار السياسي الذي يحاول استشراف توجهات الزعامة الإيرانية الجديدة. إن استقرار الأسواق لم يعد مرتبطاً فقط بحجم المعروض النفطي، بل أصبح رهينة لـ “البريمير السياسي” (علاوة المخاطر السياسية) التي يفرضها الواقع الجديد في طهران.
في ختام هذا اليوم الطويل من الاجتماعات، ستتجه أنظار المتداولين والمواطنين العاديين على حد سواء نحو العواصم الكبرى. الجميع بانتظار “الدخان الأبيض” الذي قد يشير إلى اتفاق دولي يمنع انزلاق الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي تقوده أسعار الوقود.

