دبي، الإمارات العربية المتحدة – لم يبدد الاعتذار العلني الذي وجّهه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى دول الخليج آثار التصعيد، لأن الصواريخ والطائرات المسيّرة واصلت التحرك نحو أهداف في المنطقة في الوقت نفسه تقريبًا. وقالت أسوشيتد برس إن اعتذار بزشكيان جاء فيما كانت المسيّرات والصواريخ تتجه إلى دول خليجية. كما أشارت إلى أن موجة الهجمات عطّلت رحلات في مطار دبي الدولي واستهدفت منشأة نفطية سعودية كبيرة. كذلك أجبرت موجة الهجمات سكانًا في البحرين على الاحتماء. وذكرت الغارديان أن بزشكيان قدّم اعتذارًا نادرًا للجوار الخليجي وأعلن تعليق استهداف الدول المجاورة ما لم ينطلق هجوم على إيران من أراضيها. مع ذلك، استمرت الهجمات على الخليج، ما دفع مسؤولين ومراقبين إلى التعامل بحذر مع أي حديث عن تهدئة سريعة.
- اعتذار سياسي.. ونيران مستمرة
- ازدواج القرار بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية
- الرسالة الإيرانية ليست وقفًا كاملًا للنار
- طهران تحاول تهدئة الخليج من دون التخلي عن الضغط
- ردع مشروط لا تهدئة كاملة
- لماذا تنظر العواصم الخليجية إلى الأفعال لا الأقوال؟
- منطق الحذر الخليجي
- الإمارات والخليج أمام مرحلة حذر أمني مفتوح
- توقعات المرحلة المقبلة: تصعيد محسوب أم تهدئة مشروطة؟
- الاعتذار قائم.. لكن الردع ما زال يحكم المشهد
اعتذار سياسي.. ونيران مستمرة
هذا التناقض يقدّم، في جوهره، مفتاح قراءة السلوك الإيراني الآن. هناك خطاب سياسي يريد تهدئة الجوار، مقابل قرار عسكري لا يزال يعمل بمنطق الضغط الإقليمي. كما بدت الرسالة الصادرة من الرئاسة الإيرانية أقرب إلى محاولة احتواء الغضب الخليجي ومنع اتساع دائرة المواجهة. مع ذلك، أظهر استمرار الهجمات في التوقيت نفسه أن الميدان لم يلتزم بعد باللغة السياسية الجديدة. ومن هنا، فإن الاعتذار لم يُقرأ خليجيًا بوصفه تحولًا حاسمًا. بل اعتُبر كإشارة غير مكتملة لا يكفي وجودها وحده لتبديد المخاوف.
ازدواج القرار بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية
وقالت أسوشيتد برس إن رسالة بزشكيان بدت كأنها تكشف محدودية سلطته الفعلية على الحرس الثوري. كما أشارت إلى أن هذه المؤسسة تدير جانبًا كبيرًا من الترسانة الصاروخية وتبدو أكثر استقلالًا في اختيار الأهداف. وفي الاتجاه نفسه، ذكرت الغارديان أن عرض الرئيس الإيراني وقف استهداف الجوار أثار رد فعل داخليًا غاضبًا. كذلك بدت المؤسسة العسكرية وكأنها تناقضه أو تتجاوزه. وبحسب مراقبين، فإن هذه الصورة تعكس ارتباكًا داخل مراكز القرار في طهران. أو على الأقل، تكشف أن القرار السياسي لا يملك وحده مفاتيح ضبط القرار العسكري في لحظة الحرب.
الرسالة الإيرانية ليست وقفًا كاملًا للنار
إذا كان الاعتذار قد بدا في ظاهره بادرة تهدئة، فإن ما ذكرته فايننشال تايمز يجعل قراءته أكثر تعقيدًا. إذ أفادت بأن طهران حذّرت بعد ساعات فقط من خطاب بزشكيان من أنها ستواصل ضرب الأهداف العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة إذا استمرت الحرب. جاء هذا رغم قوله إن إيران لن تستهدف دول الخليج ما لم تُستخدم أراضيها أو أجواؤها ضدها. ووفقًا للصحيفة، فإن الهجمات تواصلت على الإمارات والسعودية وقطر. وهذا ما يوحي بأن الرسالة الإيرانية ليست وقفًا كاملًا للنار، بل محاولة لعزل الخليج عن المعركة ومنعه من التحول إلى طرف مباشر فيها.
طهران تحاول تهدئة الخليج من دون التخلي عن الضغط
وبحسب مراقبين ومحللين في مراكز بحث غربية، فإن ما يجري لا يعبّر فقط عن فوضى قرار، بل أيضًا عن استراتيجية إيرانية متعمدة لرفع كلفة الحرب على الخليج من دون السعي بالضرورة إلى حرب شاملة معه. ففكرة التهدئة هنا لا تعني الانسحاب من الضغط، بل إعادة تعريفه. طهران، وفق هذا التقدير، تريد أن تقول لدول الخليج إنها لا تبحث عن خصومة مفتوحة معها. لكنها في الوقت نفسه تريد إبقاء هذه الدول تحت تأثير التهديد ما دامت ترى أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة جزء من المشكلة لا مجرد تفصيل جانبي.
ردع مشروط لا تهدئة كاملة
ويرى محللون أن إيران تحاول فرض معادلة جديدة عنوانها: التهدئة ممكنة، لكن بشروط. وأبرز هذه الشروط هو ألا تتحول أراضي دول الخليج أو أجواؤها أو قواعدها إلى منصات انطلاق أو إسناد لأي عمل عسكري ضد طهران. ولهذا، فإن الاعتذار في نظر كثير من المراقبين ليس إعلانًا عن نهاية التصعيد. بل هو عرض لتهدئة مشروطة تحاول إيران تثبيتها بالنار والرسائل السياسية في آن واحد. وهذا ما يفسر استمرار التهديدات حتى بعد صدور الخطاب التصالحي.
لماذا تنظر العواصم الخليجية إلى الأفعال لا الأقوال؟
في المقابل، لا يبدو أن دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، ستتعامل مع الاعتذار الإيراني على أنه ضمانة كافية. فالدولة التي تبقي دفاعاتها الجوية في حالة تأهب، وتتعامل مع موجات صاروخية ومسيّرات، لا تستطيع أن تبني موقفها على الخطاب وحده. ومن هذا المنطلق، فإن معيار الحكم الخليجي سيظل مرتبطًا بالسلوك الميداني. هل توقفت الهجمات فعلًا؟ هل تراجعت وتيرتها؟ وهل ظهرت إشارات عملية على ضبط القرار العسكري الإيراني؟ ما لم يحدث ذلك، سيبقى الاعتذار في نظر العواصم الخليجية خطوة سياسية محدودة الأثر.
منطق الحذر الخليجي
وكانت صوت الإمارات قد رصدت في تغطياتها السابقة إدانة أبوظبي للهجمات الإيرانية واعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي. كما أبرزت موقف مجلس التعاون الخليجي الرافض للتصعيد والمؤكد على وحدة أمن دوله. وتوضح هذه الخلفية أن المزاج الخليجي لم يعد يتعامل مع ما يجري باعتباره حادثًا عابرًا. بل يعتبره نمطًا من التهديد يستوجب الحذر والتشدد الدفاعي. ولذلك، فإن أي خطاب تهدئة من طهران سيظل خاضعًا لاختبار التطبيق لا لاختبار النوايا المعلنة.
الإمارات والخليج أمام مرحلة حذر أمني مفتوح
المشهد الحالي يشير إلى أن الخليج دخل بالفعل مرحلة جديدة من الحذر الأمني. فالهجمات لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها امتدادًا للصراع الإيراني مع خصومه، بل باعتبارها ضغطًا مباشرًا على دول المنطقة نفسها، وعلى مطاراتها ومرافقها الحيوية وخطوط طيرانها ومنشآتها النفطية. وبحسب محللين، فإن هذا التحول يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم معادلة الأمن الإقليمي. كذلك يعزز الاتجاه نحو رفع الجاهزية وتوسيع المظلة الدفاعية والتعامل مع أي تهدئة إيرانية بحسابات أكثر صرامة.
توقعات المرحلة المقبلة: تصعيد محسوب أم تهدئة مشروطة؟
أما التوقعات في المدى القريب، فهي تميل إلى ثلاثة مسارات مرجحة. الأول هو استمرار الضغط الإيراني المتقطع على الخليج، لكن بوتيرة محسوبة تحافظ على الردع من دون دفع المنطقة فورًا إلى حرب شاملة. والثاني هو بقاء المطارات والمرافق الطاقوية والممرات البحرية ومنظومات الدفاع ضمن دائرة الخطر. وتعتبر هذه ساحات ضغط فعالة وحساسة في الوقت نفسه. أما المسار الثالث، فهو بقاء الباب مفتوحًا أمام تهدئة مشروطة إذا توفرت ضمانات متبادلة بشأن عدم استخدام أراضي دول الجوار أو قواعدها في عمليات هجومية. كذلك، قد تنجح طهران في توحيد رسالتها السياسية والعسكرية.
الاعتذار قائم.. لكن الردع ما زال يحكم المشهد
في المحصلة، لا تبدو المشكلة في صدور الاعتذار نفسه، بل في أنه جاء متزامنًا مع استمرار النار. وبين الخطاب السياسي الصادر من طهران والسلوك العسكري على الأرض، تتشكل قاعدة الأزمة الحالية. إيران تريد تهدئة الخليج لفظيًا، لكنها لا تزال تضغط عليه ميدانيًا. وبحسب الاستنتاج الأرجح لدى المراقبين، فإن الخليج لن يكتفي بسماع الاعتذار. بل سينتظر ما هو أهم منه: توقفًا واضحًا ومستدامًا للهجمات. وحتى يحدث ذلك، سيبقى الردع المسلح، لا اللغة الدبلوماسية، هو العامل الأكثر تأثيرًا في المشهد.

