واشنطن،أمريكا- مع تصاعد التوترات في فنزويلا وعودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بنبرة أشد تجاه نظام نيكولاس مادورو،
يناقش مسؤولون أمريكيون سيناريو كان ينظر إليه طويلا كخيار بعيد: خروج متفاوض عليه للرئيس الفنزويلي إلى تركيا،
تلك الدولة التي تربطه بقيادتها علاقات شخصية ومصالح اقتصادية تراكمت خلال عقد من التقارب السياسي.
وفقا لمسؤولين مطلعين تحدثوا لصحيفة واشنطن بوست، فإن فكرة نفي مادورو إلى تركيا لم تعد محصورة في إطار “الاحتمالات النظرية”،
بل باتت تطرح في مداولات داخلية تشمل دوائر الأمن القومي ووزارة الخارجية،
وهذا بالتوازي مع تعزيز الولايات المتحدة وجودها العسكري في الكاريبي.
تحالف صنعته الأزمات… لا المصالح وحدها
العلاقة بين مادورو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليست جديدة ولا سطحية.
فمنذ عام 2016، عندما أبدى مادورو دعما واضحا للحكومة التركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة،
تحولت أنقرة إلى أحد أبرز الشركاء السياسيين والاقتصاديين لكاراكاس.
وخلال السنوات التالية، ساعدت تركيا فنزويلا على الالتفاف على العقوبات الأمريكية عبر صفقات واسعة في الذهب،
بلغت نحو 900 مليون دولار في 2018 وحدها، إضافة إلى قنوات مالية وتجارية موازية رفعت حجم التبادل التجاري إلى أكثر من 1.5 مليار دولار بحلول 2023.
كما زار مادورو أنقرة مرارا، ووصف أردوغان بـ”الأخ”،
فيما كان الأخير من أوائل المهنئين له بعد انتخابات يوليو 2024 التي رفضتها أكثر من خمسين دولة.
هذه الروابط، بحسب مسؤولين أمريكيين وأتراك، تجعل تركيا الخيار الأكثر واقعية،
وهذا في حال وافق مادورو على مغادرة السلطة مقابل ضمانات سياسية وقانونية.
في واشنطن… تزايد القناعة بأن “الخروج السهل” قد يكون أقل تكلفة
مع إصرار ترامب على أن “أيام مادورو معدودة”، تدرس إدارة البيت الأبيض عدة مسارات، بينها محادثات قنوات خلفية عرضت في سبتمبر 2025،
تقترح تشكيل حكومة انتقالية تتولى فيها شخصيات مثل ديلسي رودريغيز السلطة مؤقتا، مقابل خروج آمن لمادورو إلى تركيا أو قطر؛
استخدام الضغط العسكري عبر نشر قوات بحرية وجوية في الكاريبي تحت مظلة “مكافحة المخدرات”،
وهذا رغم شكوك مشرعين من الحزبين في الجدوى القانونية والسياسية لهذه الخطوة؛
وكذلك صفقة اقتصادية واسعة قد تتضمن تخفيف العقوبات واستئناف التعاون
مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإعادة هيكلة الاقتصاد الفنزويلي بعد رحيل مادورو.
بحسب مصادر تحدثت للصحيفة، يدرس فريق ترامب خيارات تشمل توفير “ضمانات شخصية” لمادورو،
بينها حماية أمنية ومنفى مريح، في مقابل تنازلات تتعلق بالنفط والذهب وربما إطلاق سراح سجناء سياسيين.
لماذا تركيا؟
بالنسبة لمادورو، تمثل تركيا مزيجا فريدا من الأمان السياسي والقدرة على المناورة الدبلوماسية.
فأنقرة قادرة على توفير ضمانات “ذات صدقية” بعدم تسليمه إلى الولايات المتحدة،
حيث يواجه اتهامات تشمل تهريب المخدرات والفساد والإرهاب المرتبط بالمخدرات،
وهذا إضافة إلى مكافأة أمريكية بقيمة 50 مليون دولار للقبض عليه.
وعلى عكس روسيا أو إيران، لا تشكل تركيا بيئة معزولة أو خاضعة لرقابة شديدة، ولا تضعف مكانة مادورو السياسية.
كما قد يحدث في موسكو أو طهران.
في حين أن الوضع الاقتصادي المتدهور في كوبا يجعلها خيارا محدود الجاذبية.
من جهة أخرى، يرى مسؤولون أمريكيون أن أنقرة قد تطمح لاستخدام ملف مادورو كوسيلة لتحسين العلاقات مع واشنطن،
وذلك بما في ذلك استعادة موقعها في برنامج F-35 وتوسيع دورها في ملفات بين روسيا وأوكرانيا وغزة.
قلق في كاراكاس… وقراءة جديدة للسيناريوهات
رغم إنكار الحكومة الفنزويلية المتكرر لأي خطة خروج، تشير تقارير استخبارية إلى أن المقربين من مادورو يدرسون “نقطة هبوط” محتملة خارج البلاد.
ويرى محللون أن الدائرة الضيقة حوله تسعى إلى مخرج يحافظ على مصالحها الاقتصادية،
ويفضل أفرادها منفى أقل صرامة مما قد تفرضه روسيا أو إيران.
ويحذر خبراء من أن البدائل الأكثر عنفا قد تترك فراغا أمنيا خطيرا،
خاصة في ظل وجود جماعات مثل “ترين دي أراگوا” أو “ELN”،
وهو ما يجعل خيار المنفى “المنضبط” جذابا لكل من واشنطن وأنقرة وكاراكاس.
السيناريو الذي قد يرضي الجميع… أو لا يرضي أحدا
يرى مسؤولون تحدثوا للصحيفة أن نقل مادورو إلى تركيا قد يشكل “المخرج الأقل تكلفة” لجميع الأطراف،
ترامب لن يتهم بالسماح له بالهرب إلى دولة معادية لواشنطن؛
مادورو سيحصل على منفى سياسي آمن دون أن يتحول إلى “ظل منفي” في موسكو أو طهران؛
تركيا ستكسب ورقة تفاوض جديدة تعزز دورها في السياسة الإقليمية والدولية.
لكن المشهد لا يزال ضبابيا، فالمؤشرات تتزايد، والضغوط تتصاعد، فيما يبقى السؤال الحاسم مفتوحا:
هل يختار مادورو الخروج الهاديءعبر أنقرة؟ أم يتجه المشهد الفنزويلي إلى مواجهة أكثر خطورة مما شهدته البلاد منذ عقدين؟

