بريشتينا – تشهد منطقة غرب البلقان تحولاً استراتيجياً لافتاً مع انهيار الإجماع الغربي التقليدي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ حيث بدأت واشنطن وبروكسل في تبني استراتيجيات سياسية متناقضة لأول مرة منذ سنوات.
تحول واشنطن نحو “البراغماتية النفعية”
ومع إعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب، تبنت الإدارة الأمريكية نهجاً نفعياً يغلب المصالح الاقتصادية وتفضيل الشركات الأمريكية على القيم السياسية التقليدية. وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية صراحةً أن “عهد بناء الدولة” قد انتهى، وهو ما يمثل خروجاً جذرياً عن السياسة الخارجية السابقة.
وتجلى هذا التحول بوضوح في البوسنة والهرسك، حيث حصلت شركات أمريكية مقربة من البيت الأبيض على عقود كبرى، كما تم رفع العقوبات عن زعيم صرب البوسنة، ميلوراد دوديك، رغم تقاربه المستمر مع العاصمة الروسية موسكو.
تمسك أوروبي بـ “سياسة القواعد”
في المقابل، يواصل الاتحاد الأوروبي انتهاج سياسة قائمة على القواعد والمعايير الصارمة للانضمام، مشدداً على ضرورة الالتزام بالإصلاحات الهيكلية مقابل الحصول على المساعدات المالية. وحذر سفير الاتحاد الأوروبي لدى البوسنة من خسارة التمويل في حال انتهاك لوائح المناقصات.
ويعكس هذا التحذير هوة الثقة العميقة مع الموقف الأمريكي الحالي، الذي يميل بشكل متزايد إلى اتخاذ مواقف معاكسة تلقائياً للمواقف والتوجهات الأوروبية في هذه المنطقة الحيوية.
خلافات حول المؤسسات والأمن ومستقبل المنطقة
وتجسد التوتر بين الطرفين في أزمة “مكتب الممثل السامي” المسؤول عن تنفيذ اتفاقية دايتون للسلام؛ فبينما تطالب الولايات المتحدة بتقليص صلاحيات المكتب أو سحب دعمها له، يتمسك الاتحاد الأوروبي باستمرار دوره لضمان الاستقرار المؤسسي والأمني.
ولا يختلف المشهد كثيراً في صربيا، حيث تحاول بلغراد التوفيق بين علاقاتها الوثيقة مع شخصيات في إدارة ترامب ومسار انضمامها المتعثر للاتحاد الأوروبي، والذي اصطدم مؤخراً برفض ثماني دول أعضاء فتح جولة جديدة من المفاوضات معها. ويضع هذا الانقسام حكومات البلقان في حيرة بين أجندتين متباعدتين؛ تركز إحداهما على الإصلاحات الأوروبية، بينما تسعى الأخرى لتأمين مصالح استراتيجية واقتصادية أمريكية، مما يهدد بإضعاف النفوذ التقليدي للاتحاد الأوروبي.


