بروكسل – بلجيكا — يتجه البرلمان الأوروبي، في خطوة إستراتيجية بارزة، إلى مراجعة وتفكيك اعتماده الطويل على محرك البحث العالمي “جوجل” كخيار افتراضي وتلقائي في عدد من أنظمته البنيوية وخدماته الرقمية الداخلية؛ وتأتي هذه التحركات السيادية في إطار تنامي الاهتمام والوعي الأوروبي بقضايا السيادة الرقمية الإقليمية، وضرورة تعزيز آليات المنافسة العادلة في سوق التكنولوجيا وتقنية المعلومات الذي تهيمن عليه الشركات الأمريكية الكبرى منذ عقود.
تقليص الاعتماد على المنصات العالمية وتشجيع الحلول المحلية
وتأتي هذه التحركات الإجرائية والمراجعات الفنية في سياق جهود أوسع نطاقاً وأكثر صرامة تقودها مؤسسات الاتحاد الأوروبي لتقليل الاعتماد التكنولوجي المفرط على عدد محدود من المنصات الرقمية العالمية العابرة للقارات، وتشجيع وتوطين استخدام حلول تقنية وبرمجية بديلة تتوافق بشكل كامل مع المعايير والمحددات الأوروبية الصارمة الخاصة بحماية البيانات، صون الخصوصية، ومبادئ الشفافية الرقمية.
وبحسب تقارير ومصادر أوروبية مطلعة، يدرس البرلمان الأوروبي حالياً بجدية إمكانية اعتماد وتثبيت محركات بحث أخرى بديلة بشكل افتراضي على كافة الأجهزة الحاضرة والشبكات السلكية واللاسلكية التابعة له، مع تفعيل خاصية منح المستخدمين والموظفين والبرلمانيين الحرية الكاملة في اختيار الخدمة التي تناسب احتياجاتهم البحثية والمهنية، بدلاً من التمكين والاعتماد التلقائي المسبق على خدمات “جوجل” التي تسيطر تاريخياً على الحصة الأكبر والمهيمنة من سوق البحث عبر شبكة الإنترنت العالمية.
إنفاذ قوانين الأسواق الرقمية ومكافحة الممارسات الاحتكارية
ويرى مسؤولون وصناع قرار أوروبيون أن تنويع الخيارات والبدائل الرقمية داخل المؤسسات التشريعية يسهم بشكل مباشر في تعزيز حيوية المنافسة، ومنح الشركات الناشئة ومطوري ومقدمي الخدمات الرقمية الأوروبيين فرصاً حقيقية وأكثر عدالة للنمو والابتكار؛ كما يساعد المؤسسات والهيئات العامة على تقليص وتحجيم المخاطر التشغيلية والسيبرانية المرتبطة بالاعتماد الكلي على مزود واحد وأجنبي للخدمات الرقمية الحساسة. وتتزامن هذه الخطوة الإستراتيجية مع مواصلة الاتحاد الأوروبي تطبيق تفعيلات تشريعية وقانونية جديدة وصارمة تستهدف حوكمة وتنظيم عمل شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech)، وفي مقدمتها “قانون الأسواق الرقمية” (DMA) و”قانون الخدمات الرقمية” (DSA)، اللذان يهدفان في جوهرهما إلى الحد من الممارسات الاحتكارية وتثبيت حقوق ومكتسبات المستخدمين داخل الفضاء الرقمي المشترك.
كما تثير قضايا جمع البيانات الشخصية المليونية واستغلالها التجاري في هندسة الإعلانات الموجهة والمبرمجة نقاشات سياسية وقانونية متواصلة وحادة داخل الأوساط البرلمانية الأوروبية؛ حيث تدعو كتل جهوية متعددة إلى الإسراع في تعزيز الاعتماد على منصات ومحركات بحث تمنح المستهلكين تحكماً مطلقاً في معلوماتهم وهوياتهم الرقمية. وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء التقنية أن أي قرار مرتقب بالتخلي عن “جوجل” كخيار افتراضي داخل البرلمان الأوروبي لا يعني بأي حال من الأحوال حظر استخدامه أو منعه، بل يستهدف إعادة إرساء التوازن المفقود داخل السوق الرقمية وإتاحة مساحات أرحب للمنافسين الجدد، لاسيما مع صعود محركات بحث ناشئة تركز بالكامل على حظر تتبع المستخدمين وصيانة الحق الإنساني في الخصوصية. ومن المتوقع أن يثير هذا التوجه أصداء واسعة واهتماماً مكثفاً داخل قطاع التكنولوجيا العالمي، نظراً لما يمثله البرلمان الأوروبي من ثقل سياسي وتأثير تنظيمي وتشريعي عابر للحدود، وما قد يترتب على قراره من تأثيرات وتوجهات مماثلة لدى المؤسسات الحكومية والسيادية داخل وخارج القارة العجوز خلال السنوات المقبلة.


