أربيل، العراق – في مشهد يعيد للأذهان تاريخاً طويلاً من “الخيانة والخذلان”، كشف تقرير استقصائي لـ رويترز عن كواليس ثمانية أيام من الجحيم عاشها الأكراد في أتون الحرب (الافتراضية/المفترضة) بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
تقرير يوثق كيف تحولت الوعود الأمريكية بـ”دعم الغزو الكردي” إلى سراب، تاركة المقاتلين وجهاً لوجه أمام صواريخ الحرس الثوري.
انكسار “الحلم الكردي” في 48 ساعة
بدأت الدراما السياسية في اليوم السادس للحرب، حين أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحاً نارياً بارك فيه فكرة قيام القوات الكردية المتمركزة في العراق بغزو بري لـ إيران، واصفاً الخطوة بأنها “أمر رائع”.
هذا الضوء الأخضر أشعل حماساً منقطع النظير لدى فصائل المعارضة الكردية في المنفى، التي رأت في الحرب فرصة تاريخية للإطاحة بنظام طهران.
لكن الصدمة جاءت في اليوم الثامن؛ إذ تراجع دونالد ترامب بشكل مفاجئ وهو على متن طائرة الرئاسة قائلاً: “نحن لا نتطلع إلى دخول الأكراد.. لقد استبعدت ذلك تماماً”. هذا “الانقلاب” في الموقف لم يكن مجرد تصريح سياسي، بل كان بمثابة سحب الغطاء الجوي والسياسي عن آلاف المقاتلين الذين كانوا يتأهبون للعبور.
إرهاب الرسائل النصية والقبضة الحديدية
بينما كانت واشنطن ترسل إشارات متضاربة، كانت طهران تتحرك بدقة جراحية.
استبقت المخابرات الإيرانية أي تحرك ميداني بإغراق هواتف الأكراد برسائل نصية تحذرهم من التعاون مع “المرتزقة”، وأعقبت ذلك بحملة مسح شاملة في الشوارع لاصطياد إشارات الأقمار الصناعية (ستارلينك) ومداهمة المنازل.
ميدانياً، لم يتردد الحرس الثوري في ممارسة سياسة “حافة الهاوية” مع حكومة إقليم كردستان العراق.
وبحسب مسؤولين، وجهت طهران إنذاراً أخيراً للقوات الكردية العراقية: “انسحبوا من الحدود خلال ساعة واحدة، أو انتظروا جحيماً من الصواريخ”.
وبالفعل، انسحبت القوات العراقية، لكن ذلك لم يحمِ رفاقهم من الأكراد الإيرانيين الذين تعرضت قواعدهم لقصف باليستي دقيق أسفر عن قتلى وتدمير حصون كان يُعتقد أنها آمنة.
أرقام من ساحة المعركة
أظهر تحليل رويترز لبيانات منظمة أكليد حجم الاستهداف الممنهج للمنطقة الكردية:
- 388 صاروخاً وطائرة مسيرة أطلقتها إيران وحلفاؤها على كردستان العراق.
- 140 غارة شنتها أمريكا وإسرائيل على مواقع الحرس الثوري في شمال غرب إيران لإضعاف قبضته.
- 50 حافلة محملة بقوات النخبة من الحرس الثوري عززت الحدود لمنع أي انتفاضة داخلية.
“وقود للمدافع” أم حلفاء؟
على الرغم من دعوات بنيامين نتنياهو للشعوب الإيرانية (فرس، أكراد، أذريين) للثورة، إلا أن المقاتلين على الأرض شعروا بأنهم استُخدموا كـ”طُعم”.
ريباز شريفي، قائد فصيل كردي، قال بمرارة: “اعتقد الجميع أن النظام ضعف، لكن إيران لديها قوات مستعدة للقتل الجماعي”.
ومع إعلان دونالد ترامب وقفاً لإطلاق النار لمدة أسبوعين لفتح باب المفاوضات، وجد الأكراد أنفسهم في المنطقة الرمادية؛ فلا هم أطاحوا بالنظام، ولا هم أمنوا شرّ القصف الإيراني الذي استمر حتى اللحظات الأخيرة قبل الهدنة.
ويختتم شريفي المشهد بكلمات تلخص المأساة: “إذا تم الاتفاق بين واشنطن وطهران، فسنكون نحن الثمن.. سنُقتل ونُعدم بدم بارد”.



