القاهرة، مصر – تحل ذكرى إحدى أكثر المحطات قسوة في تاريخ الجامع الأزهر الشريف، وهي واقعة إغلاقه على يد سلطات الحملة الفرنسية في مصر. جاء هذا الإجراء كعقاب جماعي انتقامي عقب عملية اغتيال القائد الفرنسي الجنرال جان باتيست كليبر عام 1800. وقد نفذ هذه العملية الطالب السوري سليمان الحلبي.
صدمة الاغتيال ورد الفعل الفرنسي
شكل اغتيال كليبر -الذي تولى قيادة الحملة عقب عودة نابليون بونابرت إلى فرنسا- صدمة مدوية في أوساط القيادة العسكرية الفرنسية. وسرعان ما تحولت هذه الصدمة إلى حالة من الذعر والغضب. اعتبر الفرنسيون أن عملية الاغتيال لم تكن عملاً فردياً، بل نتيجة تحريض وتخطيط من قبل النخب الدينية والمحلية. لهذا السبب، دفعهم ذلك لتبني استراتيجية العقاب الجماعي.
الأزهر في مرمى الانتقام
باعتباره المركز الأهم للتأثير الروحي والسياسي والاجتماعي في مصر آنذاك، كان الجامع الأزهر هو الهدف الأول للانتقام الفرنسي. تضمنت الإجراءات القاسية:
- إغلاق الأبواب: أُغلقت أبواب الجامع ومنعت إقامة الصلاة فيه.
- إيقاف الأنشطة: توقفت حلقات الدرس والأنشطة العلمية والتعليمية التي كان يزخر بها المكان.
- الرقابة المشددة: فرضت القوات الفرنسية طوقاً عسكرياً ورقابة صارمة على محيط الأزهر وحركة التنقل في القاهرة القديمة.
حملات القمع والاعتقال
لم يقتصر الأمر على إغلاق المؤسسة الدينية، بل امتدت يد البطش الفرنسية لتشمل حملة اعتقالات واسعة طالت نخبة من العلماء، والوجهاء، والشخصيات المؤثرة. كما فُرِضت غرامات مالية باهظة على سكان بعض أحياء القاهرة. وكان ذلك محاولة يائسة لترهيب الشعب وإجهاض أي محاولات مستقبلية للمقاومة ضد الوجود الفرنسي.
الأزهر.. منارة المقاومة والرسالة
كان الأزهر خلال سنوات الحملة يمثل “قلب مصر النابض”، حيث لم يكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كان المحرك الرئيسي للمقاومة الشعبية. هذا الدور القيادي هو ما جعل السلطات الفرنسية تضعه على رأس المؤسسات المستهدفة. أما سليمان الحلبي، فقد خضع لمحاكمة عسكرية سريعة انتهت بإعدامه بطريقة وحشية. في المقابل، ظلت تداعيات تلك الواقعة حاضرة في الذاكرة الجمعية المصرية.
صمودٌ يتجاوز المحن
رغم قسوة تلك الأيام، استعاد الأزهر الشريف دوره الريادي فور انحسار الأزمة ورحيل الحملة الفرنسية. وواصل رسالته التعليمية والدعوية. لقد أكد للعالم عبر أكثر من ألف عام أنه قلعة صامدة لا تلين أمام عواصف الاحتلال، وملاذٌ للفكر الإسلامي الوسطي الذي يرفض الاستكانة. تظل هذه الواقعة شاهداً تاريخياً على أن المؤسسات الوطنية العريقة تستمد قوتها من ارتباطها العميق بوجدان شعبها. في النهاية، لن تزيد محاولات طمسها إلا ثباتاً ورسوخاً.


