أبوظبي، الإمارات-تستعد دولة الإمارات للاحتفال بيوم الاتحاد، تستعيد فيه الدولة إرث القائد المؤسس سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، الذي صاغ رؤية تنموية سبقت زمانها،
جعلت من النفط وسيلة لبناء الإنسان والدولة، لا غاية اقتصادية بحد ذاتها.
هذه الفلسفة التي قاد بها مسيرة البناء منذ قيام الاتحاد عام 1971،
لا تزال تشكل الركيزة الفكرية للسياسات الاقتصادية والبيئية في الدولة حتى اليوم.

النفط في مصدر للتنمية لا للترف
حين تدفقت أولى العائدات النفطية في ستينيات القرن الماضي، وضع الشيخ زايد خطة طموحة لتوظيفها في بناء البنية التحتية وتطوير الإنسان.
فتم إنشاء الطرق والموانئ والمطارات،
مثل ميناء زايد في أبوظبي (1972) ومطار أبوظبي الدولي (1982)،
إلى جانب مشاريع الإسكان والمدارس والمستشفيات التي شملت جميع الإمارات.
ما أنشأ زايد شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) عام 1971 لتكون ذراع الدولة في إدارة الثروة النفطية
بأسلوب مؤسسي يضمن استدامة العائدات وتطوير الكفاءات الوطنية.
وتحت قيادته، لم يقتصر الاستثمار على تصدير النفط الخام، بل شجع على البتروكيماويات والصناعات التحويلية،
لتصبح الإمارات لاحقًا من أبرز منتجي الطاقة في العالم.
تحويل الصحراء إلى واحة خضراء
في بيئة قاحلة لا تعرف سوى الرمال، قاد الشيخ زايد ثورة خضراء غير مسبوقة. أ
طلق مشاريع ضخمة لتحويل الصحراء إلى أرض خصبة، فأنشأ سدّ الواحات في العين، وحفَر آلاف الآبار،
وأدخل أنظمة الري الحديثة بالتنقيط والرذاذ، وزرع ملايين الأشجار.
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد أشجار النخيل في الإمارات تجاوز 130 مليون نخلة في نهاية تسعينيات القرن الماضي،
بفضل مبادراته الزراعية. كما أطلق مدينة العين الزراعية كمركز لتجارب المحاصيل المقاومة للجفاف،
وشجع على زراعة القمح والأعلاف لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
كانت رؤيته البيئية تقوم على مبدأ أن “الزراعة حضارة، والإنسان بلا أرض خصبة لا مستقبل له”،
فحوّل الإمارات من صحراء قاحلة إلى واحة خضراء عالمية تستضيف الحدائق والمحميات الطبيعية مثل “محمية الوثبة” و“منتزه المها العربي”.

الاقتصاد ما بعد النفط: رؤية استباقية للتنوع
استشرف الشيخ زايد مبكرًا أن النفط مورد ناضب، فأسس لرؤية اقتصادية تقوم على التنويع والاستدامة.
عمل على دعم قطاعات التجارة والخدمات والسياحة والطاقة النظيفة،
فكانت أولى الخطوات تأسيس صندوق أبوظبي للتنمية (1971) لدعم المشاريع التنموية داخليًا وخارجيًا.
وشجع على الاستثمار في الطيران المدني بإنشاء “طيران الإمارات” و“الاتحاد للطيران”،
ودعم مشاريع المناطق الحرة مثل جبل علي التي أصبحت من أهم مراكز التجارة في الشرق الأوسط.
أما في مجال الطاقة النظيفة، فكان فكره التأسيسي وراء ما تبنته الإمارات لاحقًا من مشاريع كبرى مثل مدينة مصدر للطاقة المتجددة،
والبرنامج النووي السلمي الإماراتي في براكة، ما جعلها أول دولة عربية تنتج الكهرباء بالطاقة النووية.
الإمارات قبل النفط وبعد زايد
قبل اكتشاف النفط، كانت الإمارات تعتمد على صيد اللؤلؤ والتجارة البسيطة،
لكن زايد قاد تحولًا حضاريًا شاملاً جعل الدولة خلال عقود قليلة من بين الاقتصادات الأكثر تنافسية عالميًا.
واليوم، تواصل الإمارات بقيادة أبنائه نهج “الاقتصاد ما بعد النفط” القائم على المعرفة والابتكار والاستدامة.
لقد أدرك الشيخ زايد مبكرًا أن النهضة لا تُبنى على مورد مؤقت، بل على إنسان متجذر في أرضه ومنفتح على العالم.
لذلك سيبقى إرثه في التنمية المستدامة خريطة طريقٍ أبدية لدولة جعلت من النفط وسيلة، ومن الإنسان الغاية.

