نيودلهي ، الهند – في خطوة وصفت بأنها “زلزال في موازين التجارة العالمية”، أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اليوم الثلاثاء، عن الختام الرسمي لمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة الشاملة بين الهند والاتحاد الأوروبي. بذلك تنتهي حقبة من المفاوضات المتعثرة التي استمرت قرابة 20 عاما.
منطقة تجارة لملياري نسمة
تخلق هذه الاتفاقية، التي أطلق عليها “أم الصفقات”، منطقة تجارة حرة تضم قرابة ملياري نسمة، وتغطي 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وثلث التجارة الدولية. وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية كدرع حماية للطرفين في مواجهة تقلبات السياسة التجارية الأمريكية تحت إدارة دونالد ترامب. فقد فرض الأخير رسوما جمركية عقابية وصلت إلى 50% على بعض الواردات الآسيوية في أغسطس الماضي.
أبرز بنود الاتفاقية ومكاسب القطاعات
تتضمن الاتفاقية خفضا تاريخيا وتدريجيا للرسوم الجمركية على أكثر من 90% من السلع المتبادلة، وجاءت التفاصيل كالتالي:
قطاع السيارات: خفض الرسوم الهندية من 110% إلى 10% فقط (ضمن حصة 250 ألف سيارة سنويا). وهذا يفتح الطريق لعمالقة التصنيع الأوروبي مثل مرسيدس وفولكس فاجن.
المشروبات والأغذية: تراجع الرسوم على النبيذ الأوروبي من 150% إلى 20%، وخفض رسوم البيرة من 110% إلى 50%، مع إلغاء كامل للرسوم على “المعكرونة، الشوكولاتة، وزيت الزيتون”.
الصادرات الهندية: إلغاء الرسوم الجمركية الأوروبية على 99% من الصادرات الهندية. هذا سيعطي دفعة هائلة لقطاعات (المنسوجات، الجلود، الأحذية، والمجوهرات). كذلك هناك توقعات بزيادة الصادرات الهندية للاتحاد بقيمة 50 مليار دولار بحلول 2031.
الأدوية والكيماويات: إلغاء الرسوم الجمركية على الغالبية العظمى من هذه المنتجات، مما يعزز مكانة الهند كـ “صيدلية العالم” في السوق الأوروبي.
الجيوسياسة: تنويع الشركاء بعيدا عن واشنطن وبكين
لم تكن الاتفاقية اقتصادية فحسب، بل مثلت تحولا جيوسياسيا بامتياز؛ إذ يسعى الاتحاد الأوروبي لتقليل الاعتماد على الصين والولايات المتحدة، بينما تحاول الهند تأمين أسواق بديلة لتعويض خسائرها الناتجة عن الرسوم الأمريكية. وفي خطوة متزامنة، أعلن الجانبان عن “شراكة أمنية ودفاعية” جديدة تهدف لتنسيق الجهود في الصناعات الدفاعية والأمن البحري. تشير هذه الخطوة إلى رغبة الهند في تقليل الاعتماد على السلاح الروسي، وأيضا رغبة أوروبا في تعزيز استقلالها الاستراتيجي عن واشنطن.
ما التالي؟
ستخضع الاتفاقية الآن لمرحلة “التدقيق القانوني” التي قد تستغرق 6 أشهر، قبل أن تعرض على البرلمان الأوروبي للمصادقة النهائية. وتأتي هذه الصفقة بعد أيام قليلة من إبرام الاتحاد الأوروبي اتفاقية مماثلة مع تكتل “ميركوسور” اللاتيني. وهذا يؤكد تبني بروكسل استراتيجية “البراغماتية الجيوسياسية” لمواجهة النظام العالمي غير المستقر.

